ابحث في مدونتي

الاثنين، 24 يوليو 2017

مقال سابق: أصالة اللهجة البحرانية

في الأسبوع الماضي، تحدثت في مقالي* عن ممارسات السلطة في البحرين، والتي وجدتها ذات هدف واضح وجلي، يتلخص في انتزاع هويتنا منا، بشكل تدريجي وبطيء أحيانًا، وبشكل تراكمي لاشعوري أحيانًا أخرى، وقد ذكرت أن الأنظمة القمعية، وفي سبيل التأكّد من تسلُّطها على كل مفاصل الحياة في البلد الذي تحكمه، فهي إضافة لاستخدام العنف والوحشية في التعامل مع المعارضين لسياساتها، تعمل على فرض هيّمنة فكّرية تُسهِّل عملها وتقتل الحركة في المجتمع الذي تتسلَّط عليه.
 
ليس ذلك غريبًا في البحرين، ولا غريب أيضا أن نجده في مختلف الأنظمة الاستبدادية وكذلك المحتلة، فهو أمر واضح جدًا في القضية الفلسطينية مثلًا، وكيف تحاول إسرائيل تغيير الهوية الفلسطينية وتهويد القدس العربية الإسلامية.
 
لكن في البحرين أجد أن هناك واقع غريب جدًا، وقد أُعذَر حين أشعر بالاستياء تجاهه، ولربما تشعرون بذلك مثلي أو أكثر، فأن تقوم السلطة بمحاربة هويتنا أمر أدركناه، وصرنا نعرف أسبابه، ولا تُخفى علينا أهدافه، لكن لماذا يقوم البعض منا بمحاربة هويته نيابة عن السلطة؟!
 
يتميز البحارنة في البحرين بلهجة خاصة بهم، وقد تختلف إلى حد ما بين قرية وأخرى، وهو أمر واضح جدًا يكشف عن مسقط رأس كل واحد منّا، حتى بدون أن نعرف اسمه أو نرى شكله، إذ تكفينا لذلك صوت حروفه.
 
الكشكشة، أبرز ما يميز اللهجة البحرانية عامة وهي ما يعرف بـ(كشكشة بني ربيعة) كالقول (شحوالش/بيتش/أبوش/عندش/رحت لش……) ومثالها من التراث الأدبي بيت مجنون ليلى : فعيناشِ عيناها وجيدشِ جيدها / ولكن عظم الساق منشِ دقيقُ.. والمعنى هو: فعيناكِ عيناها وجيدكِ جيدها / ولكن عظم الساقِ منكِ دقيق.
 
تعد الكشكشة أحد فروع اللغة العربية الأم كـ(عنعنة بني تميم) و(شنشنة بعض أهل اليمن) وهي تعد لهجة أهل البحرين التي تدل على أن سكان البحرين الأصليين هم عرب أقحاح من قبيلة عبد القيس وأسَد وربيعة**.
 
إذًا فلهجتنا أحد أهم سمات هويتنا، وحين نتحدث بها فنحن نتفتق أصالة، وتكاد تفوح من أفواهنا عبقات من التاريخ الذي ننتمي إليه. لست ممن يدعون للفخر بأنسابهم وأصلهم، فذلك ليس من الخُلق في شيء، لكني بالتأكيد أرفض أي تصرف يوحي بخجل أحدنا من أصله، كيف وهو أصلٌ يزيدنا ثقة بأصالتنا وانتمائنا وتاريخنا!
 
إن الجيل الجديد من أبنائنا وليسوا الوحيدين فمنهم من الأجيال السابقة أيضًا، من أجبر لسانه على التحدث بغير لهجته، لا لشيء إلا مجاراة لآخرين من الواضح أنهم لا يدركون معنى أن نتحدث بلهجتنا.
 
في الكثير من المسلسلات التي بثها التلفزيون الرسمي سابقًا كـ(سعدون) لم تكن اللهجة البحرانية فيه إلا مثارًا للتندر ولإضفاء شيء من الكوميديا على مسلسل يدعي أنه يحاكي فترة زمنية سابقة، ولا أدري إن كانت محاولات السلطة الحثيثة لتهميشنا وعزلنا قد أتت أُكلها مع بعضنا ممن صار يخجل أن يتحدث بلهجته معتقدًا أن التخلي عنها وتغييرها يعد نوعًا من أنواع التطوّر الحضاري ورقيّه!!
هل يعقل أن السلطة تمكنت بطريقة أو بأخرى من إشعار بعضنا بدونية هويته وانتمائه فصار يهرب من ذلك بشتى السبل؟!
 
صدقًا يُثيرني استبدال شيننا (ش) بچيمهم (چ) وأتساءل كثيرًا إن كان ممارسو ذلك الاستبدال مدركين لأسبابه؟ دوافعه؟ وهل يفكر أحدهم بأنه قد يكون غير أمين في نقل موروث ثقافي راق للأجيال القادمة؟ هل ندرك أن استبدالنا عن جهل أو خجل أو مجاراة للهجتنا يعني أن تضيع من أطفالنا ملامحنا؟
 
تعتبر اللغة وكذلك اللهجة (الوعاء الناقل للثقافة) لذلك نجد أن علم الأنثربولوجيا والذي يهتم بدراسة الإنسان ضمن حضارته ومراحل تطوره يفرد اهتمامًا خاصًا بدراسة اللهجات المحلية ذلك أنها تعتبر بوابة من بوابات معرفة الشعوب.
 
أقول لأجيال الأمس واليوم لنكن أمناء على التاريخ والهوية في إجراء معاكس لمحاولة عدو تاريخي يتربص بنا ليطمس هويتنا، نحن أصحاب هذه الأرض ولهجتنا الأصيلة هي لهجة هذه الارض، فلِمَ نتنازل عنها مقابل دخيل يحاول أن يثبت أن الأصل هو لا نحن، متمكنًا بذلك من فرض هيمنته الفكرية لا عقليًا فحسب بل نفسيًا أيضًا!!
 
هل تعلمون أن عملية قلب حروف ( ث، ذ، ظ) إلى ( ف، د، ض) هي عملية تاريخية في اللهجة البحرانية؟ وهي نتجت عن تأثر المجتمع البحراني بأصحاب اللغة السريانية والآرامية، والتي تخلو لغتها من تلك الأصوات الأسنانية؟! اليوم يقال إن عملية القلب هذه تكاد تنقرض، ولا اكترث لانقراضها أبدًا لسببين: أولهما أن عملية القلب تلك ليست من أصل لهجتنا بل دخيلة عليها، وثانيهما أن العودة لأصل حروف اللغة العربية قطعًا لا يعد تخليًا عن تاريخنا وأصالتنا وهما ذات السببين الذين يجعلانني أصر على التمسك بلهجتنا ذلك أنها من أصل لغتنا الأم وأصل لهجتنا وهويتنا كذلك.
 
___________________________________________________
* مقالي السابق بعنوان (اجتثاث هوية) : http://ertiqabh.blogspot.com/2014/09/blog-post_30.html?m=1
 
** للاطلاع على ظاهرة الكشكشة وغيرها بشكل أكثر توسعًا يمكنكم زيارة الوصلة التالية:
http://www.jasblog.com/wp/?p=3849
 
نشر بتاريخ
20 سبتمبر 2014

مقال سابق: إجتثاث هوية

من منكم التفت لمجسمات الجِمال (جمع جَمل : سفينة الصحراء)، التي صارت تنتشر في ربوع جزيرة أوال؟:
مطار البحرين، بعض الدوارات، بعض الشوارع، أمام واجهات بعض الفنادق؟
 ألم يتسائل أحدكم، ماذا تفعل مجسَّمات الجمال على أرض جزيرة، تُحيطها المياه من كل الجهات، أو هكذا كانت؟!
 
يُمثِّل الجمل رمزًا من رموز البيئة الصحراوية التي لا ننتمي لها، وكذلك تمثِّل السّيوف والخناجّر والصّقور وكذلك القنص، وحتى الرقصات التي يبثّها التلفزيون الرسّمي..  السؤال مالنا نحن وهذه الرمزيات؟
الإجابة بسيطة جدًا .. هناك من يحاول برمجتنا عبر ملأ أدمغتنا بصور معيَّنة حتى نألفها وفي المقابل، أين مجسّمات اللؤلؤ؟ السّفن؟ أدوات الصّيد؟ أدوات الزرّاعه؟ أين النخيل؟ أين العيون العذّبة؟ أين المساجد التاريخية؟ ما هو تاريخ هذه الأرض؟ مَن هو شعبها؟!
 ربما يدرك كثيرون أن هناك هدفٌ، تريد أن تصل إليه السّلطة في البحرين، عبر استجلابها لقوات عسّكرية من غير البحرينيين، قوات مختلطة منها العرب، وكثير منها من غير العرب، قوات تُوطِّنهم الأرض وتُملِّكهم خيراتها، من أجل أن يكون شعبَ البحرين شعبًا مواليًا للسلطة الحاكمة فيه، إما لأنه مرتزّق لها في غالبيته، أو لأنه أقليّة بلا حول ولا قوة، يحاول أن يتنفَّس بهدوء فحسب! كل ذلك واضح.
 لكن مَن منَّا انتبه لعملية التغيير الثقافي الذي تسعى إليه السّلطة؟
 ليس عبر توطِّين المجنسين -فلهم مجتمعاتهم الخاصة وإن اختلط بهم أبناؤنا في المدارس، ولهم مواقع خدماتهم الخاصّة، وبالتأكيد لهم مواقع اجتماعية خاصّة، على الأقل حتى حين- لكن من خلال إبعاد الإنسان البحريني وتعمِيته عن كل ما يؤكَّد امتداده على هذه الأرض. اليوم هناك معركة طاحنة لإثبات تاريخ مسجد الخميس، الذي أُدعي أنه يعود للعصر الأموي، بينما يُثبِّت تاريخه، أنه كان يسمَّى «المشهد الشريف ذي المنارتين»، حيث كان منارة علّمية لها ثقلها في يوم من الأيام، إذ ذُكِر في كتاب أنوار البدرين أنَّ هذا المسجد تشرَّف باستضافة قرابة 300 عالم دين شيعي وصل لمرحلة الاجتهاد ، ويُعيده المؤرخون لزمن القرامطة!
 بذات السياق فإن وثِّيقة تم نشرها منذ أيام عبر جريدة الوسط* تحدثت عن تغيير بلدية المنامة عام 1950م وتسمية عدد من الشوارع، كشارع مني الذي أُستبدل بشارع البديع، وتتذكَّرون جميعًا منذ سنوات، كيف رفض أهالي كرزكان تسمية جزء من قريتهم باسم (اللوزي)، أما قرية كرباباد فاسم (ضاحية السيف) يتصارع مع اسمها مُحاولًا أن يثَّبت أركانه ليقضي على اسم القرية المعروف.
 السؤال: هل من الممكن أن تكون عملية تغيير معالِّم الأرض، وأسماء قراها وشوارعها، وردِّم عيونها ودفن بحرها وإنهاء الزراعة فيها، وتقلّص مساحات صيد السَّمك في مياهها، وهدم مساجدها التاريخية، إلا محاولة مستمرَّة منذ زمن ليس بقريب لفرض واقع ثقافي وتاريخي واجتماعي معيَّن يفرض على هذه الأرض وشعبها القبول بمَن تاريخه الهجرة والغزو وقطّع الطّرق ونصّب الخّيام ورقّص العرضّات والتّباهي بالسُّيوف والأنساب؟!
 يُقال (أن الدولة حتى تفرض نفسها، وتجد الحلول اللازمة واقفة في وجه كل التحولات التي يريدها أغلبية المحكومين، ليس عليها استعمال القوة والقسر كحل دائم ووحيد بل لا بد لها من تحقيق هيمنة فكرية تؤهلها للحصول على اقتناع شرائح واسعة من المجتمع وتأييدها)** ..
 حين يقتنع شعب البحرين أنَّ أرضهم فُتحت على يد فاتِّح مُحِّب وإن كانت يداه تقّطر بدماء أجّدادهم، وأنّها -أي أرضهم- مُمتنَّة له حيث حملها لأحضان الإسلام، وإنّ كان التاريخ يشهد بقدم إسّلامها!! حين يقتنع شعب البحرين أنَّه تولَّد من بطون فرس وأجانب، فلا بد أن يُخفض رأسه دومًا أمام فاتحي البلاد، الذين هم أصلها وفرعها ومُلاَّكها!!
 إنَّ الخطورة التي عشناها ونعيشها، لا تتمثَّل بشعب مسّتوطن لا زال يحتفظ بعاداته وتقاليده، رغم الحياة الاقتصادية اليسيرة التي توفرها له سلطة البلاد، لكن الخطورة تكمن، فيمن قفز من أحضَّان الأصّالة لبهرج التطوّر، دون أن يحتفّظ بمعالم حضارته، فلا عاد أهالي قرية عالي أهل الفخَّار وما عاد أبناء بني جمرة، يعرفون خيوط النسيج فضلًا عن عملية النسّج (يُمارس الحرف التاريخية لأبناء البحرين غالبًا آسيويون تعلموها على أيدي أبناء البلد)، هم جنَّسوا الأعراب ونحن سلَّمنا تاريخنا للأجانب.
لا أدعو لأن نترك المدنّية التي وُلدنا نحن أبناء هذا الجيل ونحن في أحضانها، ولا أدعو لأن نترك بيوت الإسمنت لنعود لبيوت السَّعف والطِّين، لكن لا بد لنا من وقفة جادّة نتمسّك خلالها بماضينا، مصرّين على الاستفادة من كل ما يمكن الاستفادة منه، لبناء حاضر يختلف عن هذا الحاضر، ليكون دعامة أساسية لمستقبل نطمّح أن نكون فيه أسياد أنفسنا، ولن يكون ذلك إلا بالمعرفة التامة الكاملة، ما الضير في أن يتوارث الأبناء حِرَف الآباء، بدلًا من الانتظار في صفّ البطالة الطويل الذي لا زال يتعاظم مثلًا؟
 إنّ عملية التغيير الثقافي التي تؤدي حتمًا للتغير الاجتماعي، أو العكس وهو الحاصل في البحرين، لا يمكن أن يكون عملية عشّوائية، إنها عملية مدّروسة ومقّصودة ومركّزة ومستمرة، وخطورتها تكمن في أننا لم نستشعرها، أو استشعرناها لكننا عاجزين عن وقفها أو تحويل اتجاهها.
-------------------------------
 
* http://www.alwasatnews.com/mobile/news-919612.html
** من دراسة بعنوان (التغـير الاجتمـاعي في الـوطن العـربي) لفاطمي فريد فؤاد يمكن الاطلاع عليها عبر :
http://diae.net/7934
 
 
نشر بتاريخ
13 سبتمبر 2014

مقال سابق: إيجابياتٌ (تُفَتُّ) وسلبيات (تُهَرَّمُ)

كنتُ ممن انتشى وافتخر، بأهالي جزيرة سترة، اللذين فتحوا قلوبهم ودورهم، ليتمكن الآسيويون من تأديةِ صلاة الجمعة، بعد أنْ امتلأ مسجدهم. *
وكعادتي عبَّرت عن ذلك الشعور، ليسَ لأنه غريب على أهل هذه الأرض أن يكرموا الانسان ويحترموه، أيًّا كان لونه وعرقه ودينه، لكنْ لأننا صرنا نعيش زمانا يفترس المحبة، ويغتال الاحترام، وينقضّ على انسانية الانسان، لذلك فاللفتة كانت لافتة. 
لكن ما هالني جدًّا، هو انقضاض البعض على مجرد الاشادة بذلك الموقف، لقد كانوا يمتلكون قدرةً عجيبةً على تحجيم ذلك الحدث، وانتزاع كل معنى ايجابي تركته بأنفسنا، لتحوِّله لمجموعةِ مخاوف وهواجس، بل لتحفِّز شعورا بالحقد على جالية حرمتنا حقنا في أن نكون زبَّالين، وسقَّائين، وزرَّاعا، وصيادين!
وعجبي .. من استورد تلك العمالة وعلّمها حرفنا، ومكَّنها أسواقنا؟!
بعيدا عن هذه الجدلية التي لا أود أن أخوضها، أتساءل لماذا نُصِّر على تحجيم المواقف الإيجابية؟ بينما نقف عند أصغر موقف سلبي دهرا!!
لا نُشْيع إلا النماذجَ السلبية، ولا نستذكر إلا الوقائع المؤلمة! 
أتذكر أنني جادلت أحدهم، وزعمت أنَّ هذا الموقف لو كان موقفا سلبيا صدر من أحدهم، لتحولت الأقلام لساعات وأيام لتحليله ولما تحررَّنا منه بحجَّة الانتقاد، وصدقا لم أتمَّ حديثي حتى ماجت مواقع التواصل الاجتماعي على وقع فيديو يُصوِّر حادثة جدل دارت بين رجل وامرأة في الشارع! 
وعلى ذلك فلنقس ..
مثلا .. كم عددُ زوجات الأب اللاتي احتضن أبناء أزواجهنَّ فكنَّ لهم أمهات بعد فقدهم للأمهات؟ وكم عدد أزواج الأم الذين أحسنوا لأبناء زوجاتهم وساهموا بمدَّ المجتمع بكفاءات أصحَّاء؟ الكثيرُ من القصص التي تحمل كل معاني الحب بين زوجة أبّ وأبناء ربتهم مُغيَّبة عنّا تماما، وحين تُحكَّى بيننا فتُحكى همسا، بينما نسمع الضجيج عاليا جدًا حول زوجة أبّ قاسية دنيئَّة، أساءَّت لعلاقة الأبناء بأبيهم، حتى صار وصّم زوجة الأب ب(السيَّئة) تهمة أوليَّة ملاصِّقة لها، حتى تثبت براءَتها، هذا إن ثبتتْ رغم كل شئ، واسحبّوا ذلك على زوج الأمّ. 
كم عددّ الأبناء الذين برّوا والديهم، بغضِّ النظر عن مدى برِّ أولئِّك الوالدين بهم أثناء تنشِّأتهم؟ مقابل أولئِّك الذين قذفوا بوالديهم خارج حياتهم إرضاءا لزوجة!
كم عدد الرجال المُتزنين المبدعين المؤمنين الذين خرجوا من كنفِّ أسرة رأس بيتها رجل سئ الذِّكر، مُسئ لأسرته ومجتمعه، لكنّنا نصِّر على عَزله عن فئة (من ترضون دينه وخُلقه) لأنه يَحمل وزر والده مابقي على هذه الدنيا؟ 
الكثير من القوالب التي تضم بعض الفئَّات الاجتماعية، ليست سوى قوالب مجحفة تبعد عن الواقع، بقدر ما تصَّوره بشكل نظنُّه دقِّيق، لا زلنا نجد أنَّ الرجل الذي تزوَّج امرأتين مثلاً (راعي نسوان)، ولا زلنا نجِّد أنَّ المرأة التي تزوجت رجلاً متزوجاً (سارقَّة رجال)، ولا زلنا نجِّد أن المرأة المطلّقة (مَعيبة)، وأنَّ المرأة الأرملة (منتهية الصَّلاحية)، وأنَّ المرأة التي تأخَّرت في الزواج مجرَّد (عانس معقَّدة)!! 
إذن أين نماذِّج العدل في زيجاتٍ متعدِّدة؟ أين نماذِّج الزوجةِ الصالحة في زوجات الزيجة الثانية؟ أين نماذِّج المطلقات العفيفات؟ أين نماذِّج الأرملات المؤهّلات لإستئّناف حياة اجتماعية؟ أين نماذج النساء الناجحات المتزنَّات المُحسنات اللاتي شاءَّت أقدارهنَّ أن يكنَّ عازبَّات؟! أين نماذج الشباب الذين تربّوا في كنف رجال مُسِّيئين لينتفضوا على سوء مربيهم بحسن خلقهم وبتمسّكهم بدينهم؟ أين نماذج الآباء المضحِّين الذين حصدوا أبناء بارِّين؟ 
هي نماذج موجودة بيننا، لكنها تحتاج لمجهَّر اجتماعي، لا ليبرزها فحسب، بل ليعلِّم الناس فنَّ الإحسان، وجمال اقتناص الإيجابيات، وروعة الإمكانات البشرية في مجال العدل والاحترام والحب والثقة، نحتاج لشئ من التغاضي، ونحتاج لفنِّ تحوِّيل السلب لإيجاب، عبر اعتباره درسَّا على الجميع تعلُّم فنَّ اجتنابِّه، فنِّ اجتناب الظلم، فنِّ اجتناب القسّوة، فنِّ اجتناب سوء الظَّن، فنِّ اجتناب إطّلاق الأحكَّام المسَّبقة، فنِّ الاحتفاظ بالأروَّاح الايجابِّية والمحافظة عليها من روح المجتمع السلبية.
لسنا مجتمعًا فاضِّلا، ولنْ نكونَ مجتمَّعا كاملا قط، لنحاول فحسب أن نكون مجتمعا متكاملا متعلِّما يُجيد استثّمار الخبرات، محتضِّنا لكل الكفاءات!
———————————————————————–
 
نشر بتاريخ
30 أغسطس 2014

مقال سابق: بلاء بلباس فضيلة

منذ نعومة أظفارنا ونحن مطالبون بأن نكون أطفالًا مثاليين، لا يبكون حين يداهمهم الجوع، ولا تكفهرُّ وجوههم حين يحتاجون للنظافة، يقبلون بسعادة تقييدهم بحبال ضاغطة تخنق تمرُّد أياديهم وأرجلهم، يبتسمون حين يكون مزاج الأهل سعيدًا، ويكفون عن أي صوت حين يكون مزاج الأهل تعيسًا!!
 
ثم نكبر قليلًا، فنحبو ثم نمشي فنكون مطالبين بالابتعاد عن الأواني الخزفية، التي تزين ممرات شققنا الصغيرة، وأن نمتنع عن اللعب بالرمل في رحلاتنا الأسبوعية للحديقة، حتى لا تتلف ملابسنا، كما لا ننسى أننا مطالبون بالالتزام بالوجبات الصحية الثلاث، دون تمرُّد أو حتى محاولة اختيار!
 
حتى يشَّتد عودنا.. ونمضي في هذه الحياة إما تحت كنف أسرنا، أو بشيء من الاستقلالية لنربي أطفالنا، تمامًا كما رُبينا!!
 
هل من الطبيعي حقًا أن يبتعد الطفل عن كل أذى؟ أم أن الطبيعي هو أن يحاول الأطفال استكشاف كل ما يقع تحت أيديهم؟!
 
هناك فرق كبير يكمن بين ما نريده أن يكون، وبين ما يجب أن يحصل.
 
نريدهم أن يخطوا سريعًا دون أن يتعثروا.. والطبيعي أن يقفوا ليسقطوا، ثم ليحاولوا الوقوف مجددًا، حتى يتمكنوا من التخطي، فالمشي، فالركض!
 
من منا تحرر من مثالية التربية الخيالية، إلى طبيعته البشرية برشاقة؟
 
الكثير من الرجال والنساء، يعيشون ظروفًا اجتماعية أو اقتصادية أو وظيفية سيئة جدًا، مستسلمين لذلها وسياطها وربما عارها، لا يحملون في أذهانهم مجرد فكرة التغيير، لأنهم يعتقدون (أنَّ الله مع الصابرين)!
وتمر عليهم الأيام وهم حزانى، يعيشون على أمل معجزة إلهية قد تحصل حقًا، أو قد يدفنون تحت التراب ولم يأن موعد حدوثها، لتستنقذهم من البؤس إلى النعيم!
 
رجال كثروا أو قلوا، كان قدرهم زوجات سليطات مؤذيات، تحلن بين المرء ووالديه، يعيش حياته مخبئًا عنها محاولاته للتواصل معهما، درءًا للفتنة وإجتنابًا للمشكلات، إذ أن لشريكته حق عليه! وواجبه أن يتحملها وإن بأسلوب يؤدي لتماديها وقطيعة رحمه!!
 
فتيات كثروا أو قلوا، يعشن تحت كنف والد قاس، يمنعهن من الزواج ويبعد عنهن الأهل والخلان ممن يرفضون سياسته، بحجة أنه الأعرف بمصلحتهن، فيقبلن ويصمتن ثم تتوافد عليهن الوفود لتهنأتهن على طاعتهن لولي أمرهن!
 
فضائل كثيرة كالطاعة والصبر وربما الصمت، حولناها بسوء فهمنا، وسطحية قراءتنا لها، واستسلامنا لاستغلال الكثيرين لنا باسمها، حولناها لبلاء يلتفّ حول رقابنا، برضانا ليخنقنا..
 
الصبر فضيلة ليست في تحمل الوضع المؤذي الذي وجدنا أنفسنا فيه، أو حملتنا الظروف إليه فحسب، الصبر فضيلة أيضًا حين نتحمل مشقة درء الأذى عن أنفسنا، وحفظ كرامتنا، والاستماتة في انتزاع حقوقنا، ومجابهة الجميع من أجل تغيير واقع لا يرتضيه لنا الله، وقد منحنا حق وإمكانية تغييره. 
 
الطاعة فضيلة حين لا تكون قيدًا في معاصمنا، يقيدنا عن لذة الطاعة لله، وجميل استرضاء النفس فيما أتاحه لنا الإله، طلبًا لسمعة يكون عنوانها الصبر على الطاعة، في حين أن الإحسان هو العنوان الأقرب لطبيعتنا.
 
نحتاج أن نتعرف على طبيعتنا البشرية، وإمكاناتنا الشخصية، وما يريده لنا الله من العزة والكرامة حتى نمنع أنفسنا وآخرين من فرض خيارات نظن ويظنون أنها الأمثل، بينما في حقيقتها هي مخالفة للفطرة التي فطرنا الله عليها، مخالفة لما يريده الله لنا من أن نستعمل عقولنا وقوتنا الجسدية والعاطفية والذهنية، في سبيل أن نكون سعداء راضين قانعين، داخل إطار الطبائع البشرية وتحت درع الجهاد الأكبر للنفس الأمارة بالسوء، وفق قيم رسمها لنا الله حقًا، لا الأهواء ولا العادات ولا الجهل!
 
 
 
نشر بتاريخ
22 أغسطس 2014
 

مقال سابق: مبدعون لكنهم ملحدون

عبر ضغطة زر، صارت تقتحمنا بإرادتنا أو رغما عنا ملايين الأفكار، أفكار الحق وأفكار الباطل وأفكار ما بينهما، بالأمس كنا مُحصّنين بأسوار قرانا وبيوتنا ومآتمنا ومساجدنا ومجتمعنا، لا يترشّح عبرها إلا اليسير من الأفكار، فتبقى تلك الحصون شامخة لا لقوة بنائها غالباً، لكن لقلة عوامل الضغط التي تنفث بأبخرتها عليها، ثم صار أبناء تلك القرى يختلفون على البلدان الأخرى، لينبهروا بحضارتها ومدنيتها، وليعجبوا بسمين فكرها وبغثّه أيضا، اليوم لا حاجة بنا لنتحرك بمقدار بوصة واحدة حتى نتلقّى ذلك الكم الهائل من الأفكار والنظريات والاشكاليات، لم نعد حبيسي بيوتنا وإن كنا مقيمين فيها لا نخرج إلا لقضاء حاجة، أطفالنا وشبابنا ورجالنا ونسائنا، للكل الحق والقدرة على التعلّم، والمعرفة لم تعد حكراً على الطبقة المتعلّمة أو الثرية أو المثقّفة. 
 
نحن أصحاب حضارة عمرها آلاف السنين، كأصحاب هذه الأرض، أو كعرب أو كمسلمين وموالين، نمتلك رصيداً ضخماً جداً من الثقافة، وتاريخاً زاخراً بالحواضر العلمية والثقافية، تشهد عليها قرى عريقة كقرية البلاد القديم، ومعالم تاريخية كمشهد ذي المنارتين (مسجد الخميس حالياً)، ومن هذه البقعة العلمية صاحبة الحضارة صرنا نتلقّى الأفكار عبر وسائل التواصل الاجتماعي، عبر مقال يكتبه كاتب، أو إشكال يطرحه ناقد، فيُزلزّل البعض كياننا وأفكارنا وثباتنا، عبر فكرة يبثها هنا أو نقد يطرحه هناك، فيحوّلنا إما إلى مفكّرين مبدعين ثابتين أو الى مانعتقده أنه كذلك.
 
إن توافد المعلومات والنظريات لا يمكن أن يكون أمراً سلبياً بحتاً، لكن حين تكون الأرض التي نقف عليها ليست سوى رمال متحركة، فمن الطبيعي أن نغرق في عمقها يوما!
 
أُطالع منذ مدة كيف تتكاثر بعض الحسابات أو الشخصيات التي تدعوا للإنقلاب الكامل والواضح على هويتنا وعقيدتنا وثقافتنا، أو بعض الحسابات والشخصيات التي تتقوى بمصطلحات الحق إنفاذا للباطل، وتتسلح بأفكار تشبه أفكارنا لتأد الأصيل منها وتدسّه في التراب، دعوات الإلحاد تتدفّق من عمق منازلنا بينما نضع رؤوسنا على وسائدنا معتقدين أن أبنائنا في الغرفة المجاورة في رعاية (الإيمان والحب لله) إلا أن الأفكار والتساؤلات تتصارع في عقولهم المبدعة، فنُحيلها بإهمالنا وجهلنا وإنشغالنا بتوافه التجاذبات الدينية والسياسية والاجتماعية، إلى مقبرة ليدفنوا فيها معنى حلاوة الايمان والتوحيد والتسليم للخالق وللعقيدة الصحيحة النقية التي ننهلها من فكر أصيل هو فكر محمد وآل محمد.
 
(لا تقرأ لذلك الكاتب)، أو (توقف عن طرح تلك الاسئلة)، ليست تلك حلولاً صحيحة لجيل يعيش هذا العمق من الصراع الفكري، والانفتاح على الحضارات والعلوم، ليست حلولا لجيل يعيش زمن النكبات والخيبات وفداحة التوحش البشري، ليست الحلول الصحيحة لجيل يحاصره فكر أمثال داعش، أو حتى فكر المتطرفين من أبناء عقيدتنا أصحاب راية اللعن والتسقيط، بل (إقرأ) و(إسأل) بعد أن تُهَيّأ أرضية عقائدية وثقافية سليمة، لا يمكن أن تُهيأ عبر الأدوات التقليدية التي تهيأ بها الآباء والأجداد.
 
لمآتمنا دور عريق في بث الفكر الولائي الصحيح الذي نؤمن جزماً أنه فكر انساني راق، أبدعه خالق عالم بخبايا الكون ومن عليه، ولا بد أن تحتفظ مآتمنا بذات الدور التاريخي، ولا يتحقق ذلك إلا عبر تطوير خطاباتها وأدواتها، لا يمكن أن يبقى طرفي المعادلة هناك، مستمع ومتحدث بل متحدث مستمع لمتحدث مستمع أيضا، لم يعد التلقين أسلوبا تعليميا وتوجيهيا فعّالا، بل ذلك العصف الذهني الذي من الممكن أن يخلقه خطيبا فذا في أرواح المتفاعلين معه، فيحيلهم لمصادر الفكر الصحيح عبر إستقراء الفكر الذي نعتقد أنه فكرا منحرفا، أو على أقل تقدير فكرا قاصرا يبلوره فكرنا النقي وان باستخدام وسائل حضارة نعاني من تقدمها فوق جثث وأفكار أبناء مجتمعنا بعد توطين تلكم الأدوات.
 
علينا أن نلقي أبنائنا في عمق تلكم الأفكار والنظريات، واثقين أنهم سيثبتون أكثر لا خائفين أنهم سيتذبذبون، قد تُحار الكثير من الأسر أمام حجم عقول أبنائها، عاجزة عن القدرة على إحتواء تساؤلاتهم، ذلك ليس عيبا، خذ بيد إبنك وإذهب باحثا معه عن إجابات اسئلته، عبر اختيار من وما يتمكن من ذلك حقا، علينا أن نتوقف حالاً عن مهاجمة عقولهم، ومحاولة احتوائها قبل أن تنضج في حضن الأفكار التي من الممكن أن تُبعدهم ثلاثمائة وستون درجة عن حواضرهم الثقافية والعقائدية والعلمية، وأزعم أن حجم المسؤولية كبير جدا، ومن الإجحاف أن نلقي بثقله كله على الأسرة لأسباب عديدة لا يتسع بي المجال لعدها، إنها مسؤولية العلماء والمثقفين والمؤسسات الاجتماعية والدينية، إنها مسؤولية اجتماعية متعددة الاطراف، ومن أجل تحقيقها نحتاج لوضع سلّم أولويات لما نُريد أن نحققه، هل نريد صيتا لاسم مذهب قد يقرضه الفكر الآخر قرضا؟! بينما ننشغل بتأكيد مرجعية فلان دون عن فلان، أو بصحة شعيرة مقابل شعيرة، أو بتفوق حزب سياسي دون حزب، أو بمهاجمة جماعة لجماعة أخرى!
أم نريد أن نكون منتمين لمجتمع متقدّم بأفكاره هو، بعقيدته الصحيحة النقية كما أراد وأسس لنا ذلك من بعد نبي الرحمة أئمتنا وخصوصا إمام العلم جعفر بن محمد الصادق (ع)، عودوا لتاريخ هذا الانسان العالم الذي كانت دروسه ونقاشاته تستقطب القاصي والداني، ستجدون أنه كان منفتحا جدا على أفكار ونظريات ورؤى مخالفة لدين جده تماما إلا انه تمكن من إحتواءها والرد عليها في حضرة ما لا يقل عن أربعة آلاف طالب علم!* 
 
 
* أحيلكم لقراءة كتاب ( الامام جعفر الصادق في نظر علماء الغرب) ستعرفون عن إمامكم ما لم نتعلمه بمعلّم أو مأتم قط!
الكتاب موجود على صفحات الانترنت وعبر برنامج المكتبة الجامعة .
 
نشر بتاريخ
أغسطس 2014

قف.. فكر.. قرر بوعي

  نسمع كثيرا عن مفردة (الوعي) ونُدعى كثيرا لأن نكون (واعين) بل وحتى في أحاديثنا المعتادة نطالب أن يكون الآخر مالكا-لوعايته الكاملة (تعبير دا...