ابحث في مدونتي

الجمعة، 4 أغسطس 2017

مقال سابق: تكامل المرأة والرجل

منذ ارتفعت الاصوات منادية بالتحضر والتطور، ونحن نسمعها تردد شعارات يعتقدها البعض حقة وجميلة، لكنها قد تكون ملئى بالإجحاف، المساواة بين المرأة والرجل، شعار لطالما نودي به، شعار تفتخر – بزعم – تحقيقه بعض الدول، منها الدول العربية والإسلامية التي صارت مكانة المرأة فيها تحمل شيئًا من الاحترام بعد أن انطوى زمان وأدها حية على يد رسول الرحمة محمد (ص).
معروف أن مبدأ الثواب والعقاب في الإسلام قد ساوى بين كفتي المجتمع، يقول رب العزة : (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)، والحديث عن تساويهما من هذه الجنبة مضيعة لوقتنا، فما أقره الله لا يمكن أن يبطله بشرًا كائنًا مَن كان، والادعاء بنفي وجوده مردود عليه عبر الكثير من الأدلة النقلية بل والعقلية أيضًا. أما الإشكال الذي يلقيه كثيرون في عمق مشاعرالأمة الإسلامية، وخصوصًا في عمق مشاعر النساء من هذه الأمة، هي إشكالية الفرق بين الرجل والمرأة في حقوق منها حق الإرث، وقبول الشهادة، بل والنفقة في بعض الأحيان، فما يراه الرجال تكليفًا إسلاميًا لهم يوجب عليهم أن يكونوا مسؤولين ماديًا عن زوجاتهم يراه البعض نقصًا معيبًا يضر باستقلالية المرأة.
هناك الكثير من التفسيرات التي تتحدث عن أسباب وفلسفة اختلاف الإرث بين الرجل والمرأة في الإسلام، وكذلك فلسفة قبول شهادة رجل مقابل سيدتان، وكثير من هذه التفسيرات تصب في أمر جوهري جدًا هو اختلاف المرأة والرجل بيولوجيًا وفسيولوجيًا وعقليًا، وهو أمر صحيح قطعًا لكني لست بصدد الحديث عنه، إنما حديثي في ضوئه.
تُرى لماذا يختلف الرجل والمرأة؟ وهل الحديث عن تساويهما ترفًا؟
في اعتقادي إن سبب الاختلاف بين الرجل والمرأة، هو سبب تكويني تقوم عليه الحياة، وهو أن يكونا مختلفين ليتمكنا من التكامل، يعني ذلك أن للحياة كفتين متساويتين حتمًا، الرجل أحدها والمرأة ثانيها، تتساوى أهميتهما، وضرورتهما، وتنتفي دون إحداهما الحياة. وحينما تميل كفة أكثر من كفة، فإن معنى ذلك أن هناك اختلالًا في توازن الحياة سيكون له مردوده السلبي حتمًا. وأصور المرأة كالعنصر الرياضي (س) والرجل كالعنصر الرياضي (ص) الذيْن يكوّنان معادلة الحياة، إذ لا بد أن تكون معادلة تلاحمهما صفر ( التوازن ) ف (س + ص ) = صفر، على الرغم من اختلاف العنصرين واستحالة تساويهما. وحين نغير المعادلة فتغييرًا حتميًا سيكون مرافقًا في دورهما فـ س = – ص أو ص = – س ، معنى ذلك أن تساوي الرجل والمرأة يكون مع الاختلاف بينهما واستحالة طرح ذلك الاختلاف.
إن قمة العدل أن يكون اختلاف الإنسان عن أخيه الإنسان أمرًا مأخوذًا في الاعتبار عند توزيع المهام مثلًا، فالرجل قوي البنية قليل المهارات يختلف عن الرجل الأضعف بنية والأكثر مهارة، وكلاهما قد يكملان نصاب مشروع تجاري ناجح جدًا دون أن يبخس أحدهما حق الآخر من ناحية الأهمية والجزاء. وكذلك حين نلاحظ تركيب بعض الأجهزة الكهربائية أو حتى أعضاء الإنسان الحيوية، فسنجد أن الجهاز الواحد يتكون من عدة أجزاء، تختلف أشكالها وألوانها وأحيانًا مواد صنعها، لتتمكن من أداء مهمة معينة على أكمل وجه. ورغم اختلاف أحجام وأشكال كل جزء إلا أن خللًا صغيرًا يطرأ عليه قد يدمر ذلك الجهاز، مما قد يؤدي لتدمير كامل الجسد أو الأداة الإلكترونية.
إن من عمق المساواة أن نعترف بخصائص الرجل ونحترم دوره ونقدر أهميته، كما من عمق المساواة أن نعترف بخصائص المرأة ونحترم دورها ونقدر أهميتها، مبتعدين عن مرض (الغبن) الذي بلانا به العالم الغربي الذي يجد أن إرضاع المرأة واتحادها مع طفلها عيبٌ ونقصٌ يحدّ من استقلاليتها، وتهميشٌ لقدراتها وتوهينٌ لعقلها، بينما يحض رسول الرحمة أبناء الأمة بأمهم ثم أمهم ثم أمهم ثم أبيهم، في مساواة عجيبة قل نظيرها في الكون على امتداد تاريخه.
لنا حق أن نرفض مساواتهم ونطالب باحترام تكاملنا.. إنما خلقنا لنكون وحدة واحدة لا شيئًا واحدًا.
 
 
 
 
نشر في
29 نوفمبر 2014
 

مقال سابق: المستضعفون في الأرض

على مر الزمان، ومنذ أن خلق الله آدم وحواء واهبًا إياهما قابيل وهابيل، وقصة الظالم والمظلوم، القوي والمستضعف، المعتدي والمعتدى عليه، مستمرة ما استمرت الحياة.
 
ها هي سور القرآن الكريم تمتلئ بقصص الأقوياء والمتجبرين، لا بين الحاكم والمحكوم فحسب، بل حتى حين يعصف الحب بقلب إنسان، فيحيله لأناني يطلب حبيبه قسرًا، وإلا أودعه السجن زورًا، كزليخة حين تبلّت على نبي من أنبياء الله! 
 
ها هو التاريخ يروي قصص الصراع الطاغي بين الظالم والمظلوم، قصص كانت ولا زالت تقسم الناس لفسطاطين واضحين، فسطاط الأقوياء المتجبرين وفسطاط الأبرياء المستضعفين. وحين نفتش قليلًا فسنجد أن المستضعفين على مر العصور ليسوا من فئة الجبناء ولا المتخاذلين -وإن لم تخلو منهم- فمنها الأنبياء والرسل وأولياء الله الصالحين، ورجال شُهد لهم بالفداء والتضحية، ألم يُستضعَف نوح عليه السلام وهو نبي الله من قومه حتى كان مثار سخريتهم؟! ألم يستضعف يوسف عليه السلام حتى أُودع سجنًا؟! ألم يستضعف آل البيت عليهم الله وهم خير خلق الله على الإطلاق؟! حتى سيقت من بلد لبلد زينب عليها السلام حفيدة خير نبي، وسليلة سيدتين من نساء العالمين هما خديجة بنت خويلد وفاطمة الزهراء عليهم السلام، ونوديت بالخارجية؟! حفيدة نبي الاسلام خارجية تساق كما يساق الإماء!! بعد واقعة قتل وحشي لأفراد عائلتها، معهم خير أصحاب للحسين عليه وعليهم السلام.
 
حين تبحر بين طيات الكتب، بعيدًا عن التأريخ الإسلامي، ستجد أن الصراع بين تلكم الطبقتين قد كان موضوعًا شغل الكثير من المفكرين والكتاب منهم كارل ماركس الذي يتحدث عن الصراع الدائم بين طبقات المجتمع محيلًا إياهما في أحايين كثيرة لذات الوصف (الظالم والمظلوم) أو (القوي والمستضعف). وإذا كان كارل ماكس قد تحدث وكتب عن ذلك الصراع ربما بمادية شديدة جازمًا أن سنن التغيير الاجتماعي إنما تعتمد على ذلك الصراع، وتفوّق طبقة مُستضعَفة لتتحول لطبقة مُستضعِفة، فإن التاريخ الإسلامي يحمل بين طياته شبه ثبات بين طبقتين هي طبقة القادرين المتجبرين الظالمين المنبوذين من الله، وطبقة المستضعفين أصحاب القيم والمبادئ الموعودين من الله. يقول عز من قال (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ).
 
اليوم نحن أكثر أمة تعيش الاستضعاف إن في الواقع الإسلامي العام، أو في الواقع الشيعي الخاص. الشعوب الإسلامية تعيش بين مطرقة الأنظمة العالمية والمحلية المتجبرة، وبين سندان الجماعات المتطرفة. وإن كانت قد ساهمت في استضعاف نفسها على مر العصور، باستسلامها لتلك الأنظمة، وإغراق عقلها في وحل الجهل، فإن الواقع الشيعي واستضعافه مختلف تمامًا، فقد لوحق العلويون وكل من ينتمي لخط الولاء لأهل البيت عليهم السلام، حتى بنيت على أجسادهم قواعد قصور جبابرة أزمنتهم، في توافق تاريخي مع ملاحقة الأئمة من ولد النبي محمد صل الله عليه وآله، وإن اختلفت درجته وكيفيته من إمام لإمام. ألم تنفض عن الإمام عليه علي السلام الأمة رغم وصية الله التي نقلها بكل أمانة رسوله ليتم بها دينه (من كنت مولاه فعلي مولاه)؟ ألم يُدسّ السم للإمام الحسن؟ ألم يُقتل ريحانة رسول الله أبشع قتلة حتى مُثِّل بجسده وسُلبت ثيابه ورُفع رأسه على الرماح مع إخوته وولده وأنصاره؟ ألم تسبى أخته وبنات رسول الله؟ ألم يكبل الإمام علي بن الحسين ليُساق وهو يشتكي العلة أسيرًا؟ ألم يسجن الإمام الكاظم عليه السلام سنوات طوال؟ والأمثلة أكثر من أن أتمكن من سردها..
 
ما أود أن أقوله، أننا اليوم وفي بلدنا الصغير حجمًا، المعقد واقعًا، نعيش ذات الاستضعاف، وإن كنا مطالبين بالعمل على أن نكون أمة قوية قادرة، إلا أننا أيضًا مطالبون أن نحمل بين طيات قلبنا ووعينا الثقة في موقعنا. نحن لم نُستضعف أساسًا لأننا ضعفاء بل لأننا ننتمي لأصحاب المبادئ والقيم والأخلاق الرفيعة. نُستضعف لأننا من فسطاط الموعودين من الله إن شاء الله.
 
نعيش اليوم وجع من فقدناه مقتولًا أبشع قتل، ونُقاسي لوعة فراق الأحبة مطاردين أو معتقلين أو مغربين، ونموت ألف مرة بينما تنتشر في أوساطنا تصويرات التعذيب البشع الممارس على بناتنا وأبنائنا، وتُستَفز غيرتنا بمداهمة البيوت لجر النساء للمعتقلات، وتغتال إنسانيتنا وكرامتنا كل حين، لكن كلمة أراها تشمخ بعمق فؤادي كلما شاهدت وعايشت واقع الاستهداف الموجع، كلمة قالتها السيدة زينب في مجلس يزيد:
 
(أظنَنْتَ يا يزيد حيث أخَذتَ علينا أقطار الأرض وآفاق السماء، فأصبَحنا نُساق كما تُساق الأُسارى، أنّ بنا على الله هَوانًا وبك عليه كرامة؟! وأنّ ذلك لِعِظَم خَطَرِك عنده! فشَمَختَ بأنفِك، ونظرتَ في عِطفِك.. إلى أن قالت :مهلًا مهلا! أنَسِيتَ قول الله تعالى:ولا يَحسَبنَّ الذين كفروا أنّما نُملي لَهُم خيرٌ لأنفسِهِم، إنّما نُملي لَهُم ليزدادوا إثمًا ولهم عذابٌ مُهين).
 
اليوم وبينما تدخل للمعتقلات أكثر من عشر نساء تضاف لخمس أخريات، وربما كان العدد مرشح للارتفاع لا سمح الله:
(أتظنون أن بنا على الله هوانًا وبهم عليه كرامة؟!)
 
حاشى لله ذلك ..
 
(إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا).

 
نشر في

15 نوفمبر 2014
 

مقال سابق: الحياة على نفقة الحب

من منا لم يسؤه أحد، بغير قصد أو ربما بقصد؟ من منا عاش كل حياته وهو يسمع كلمات الثناء والإطراء فحسب؟ من منا لم يجرحه إنسان عزيز أو حتى غير عزيز؟ من منا يجد أنه متفق مع الجميع؟ راض عن الجميع؟ من منا يعتقد أنه مثار إعجاب الكون كله؟


كلنا مررنا بمختلف محطات حياتنا لمواقف جرحتنا، كلنا سمعنا كلمات كانت كالأمواس تقطع نياط قلوبنا، مستحقين او غير مستحقين! حصاد زرعناه أو بَذْرٌ بَذَرَهُ غيرنا، لكننا نكبر ونعمة النسيان تلف إنسانيتنا، فننسى الجرح لنتعلم الدرس، ونتذكر الموقف لنحذر من ترِكَته.
الحياة يا سادة مدَّرسة تُعلِّم بالطريقة الصعبة جدًا، ونحن طلاب دروسها، لن يهنأ لنا عيش ما لم نستذكر تلك الدروس جيدًا، ناسين أو متناسين (شخوص) تلكم المواقف، الذين ما لم نكبر على إحراجهم وجرحهم سنكبر بينما هم يتضخمون أمامنا بقدر تضخم مشاعرنا السلبية تجاههم، وبينما يسيرون باتجاه حياتهم هانئين، سنقف حيث نحن نستذكر تلك الصفعة التي ربما اعتقدناها صفعة!!
 
قد يكون من الطبيعي أن يقف الإنسان عند موقف أثَّر في نفسه بشدة، في طفولته أو أثناء اتجاهه لمرحلة الشباب. وقد يكون ذلك الموقف سببًا لتطور الإنسان أو تراجعه، وقد يكون سببًا لمرحلة عداء طويلة جدًا جدًا تمتد لأجيال، ويدفع ثمنها الصغار. كل ذلك وإن لم يكن أمرًا محببًا إلا أنه أمر مشهود على مدى أزمنة المجتمعات. لكن الغريب أن يحمل أحد ما كمية حقد بمقدار مجرة بقلبه تجاه أحد، أو جماعة، أو مجتمع أو قومية ليس لموقف شخصي بينهم، ولا لعداء عائلي معهم، إنما لاختلاف عرقي أو سياسي أو اجتماعي أو مذهبي.
 
منذ أيام فقط، فتح شخص - نجهله اسمًا ورسمًا - النار على الآمنين بمنطقة الإحساء السعودية، أطفال وشباب ومن ذوي الاحتياجات الخاصة، قتلهم دون أن يعرف لهم اسمًا أو رسمًا، قتلهم دون أن يسيء أحدهم الأدب تجاهه أو تجاه أهله أو عشيرته، قتلهم لأنه يختلف عنهم ومعهم، قتلهم لأن قلبه شحن بالمشاعر السلبية على أثر الاختلاف المذهبي بينهم!
كمية كبيرة من مشاعر الكره والحقد، غيَّبت إنسانيته، وربما لو عاد الزمان عليه لعاد لفعلته غير آبه بالقلوب التي حرقها حزنًا على فقد فلذات أكبادها، دون أن ينظر لطفولة أحدهم أو حتى لكون أحدهم من ذوي الاحتياجات الخاصة!! قد أستغرب لذلك وتستغربون، لكن كل من حفر بقلبه بئرًا سحيقًا ليردم داخله المخالفين معه على إثر خلاف شخصي أو مذهبي أو عقائدي أو سياسي أو اجتماعي معرض ليفقد زمام إنسانيته في لحظة، وحينها قد تكون الرصاصة التي تقتل ذلك الإنسان حلم حياته الذي ربما لم يجرأ ليُقدم عليه، إلا أن تماديه في حفر ذلك البئر قد يوصله لتلك المرحلة حين تطعَّم مشاعر الحقد بلحظة غضب أو تهور.


ترى هل يتمكن الإنسان من نزع ما بقلبه من حقد أو كره أو حتى مجرد غضب على إنسان آخر آذاه، فضلًا عمن لم يؤذه؟! ماذا لو برمج الإنسان نفسه على محو أسماء الشخوص ذات المواقف السلبية من حياته، محتفظًا بدرسهم، حاملًا باعتباره جرحهم له، ليمضي في حياته غير آبه أتألموا كما آلموه أم لا؟! 
إن مفردة (القلب الأسود) ليست مجرد مصطلح نكرره، بل تشبيه بليغ لواقع إنسان لم يحترف فن النسيان، ولم يُلقِّن روحه ملكة استخدام القدرة على عدم الاكتراث بوقتها المناسب، ولم يغذي قلبه بالحب لنفسه، حب الإنسان لنفسه للدرجة التي يخاف فيها عليها من أثر مشاعره السلبية تجاه الآخرين حين تسكن قلبه، حب الإنسان لنفسه حتى لا يرضى منها أن تشغل جوارحها بتتبع أعمال ذلك الإنسان الذي آذاه أو اختلف معه أو ربما استفز قلبه من حيث يدري أو لا يدري.
 
إن للحياة على هذه الوسيعة منهجٌ، منهج يقوم في أساسه على الحب، حب الله، حب النفس، حب الحياة، حب الإنسان، حب المجتمع، حب الإنسانية، وإن الحياة وفق هذا المنهج عادة ما تكون عامرة بالنجاح والشعور بالرضا، مليئة بالإحسان، بعيدة عن الإساءة، ذلك أن الإنسان ينطلق باتجاه الآخرين من منطلق إيجابي، فتتسع مداركه، ويتسع صدره، فيسهل الاختلاف معه في الرأي والأسلوب والرؤية، وتحلو معه روح التنافس والتسابق والإنجاز، وتشيع معه لغة الصدق، ويندفع معه الإنسان باتجاه الأمام دائمًا دافعًا أمامه المجتمع ممسكين بيد الإنسانية متجهين نحو الكمال لله.
 
لفتة: الحياة على نفقة الحب.. أيسر
 
 
نشر بتاريخ
8 نوفمبر 2014
 

الاثنين، 24 يوليو 2017

مقال سابق: الفضيلة بين الافراط والتفريط

لفتت نظري مجموعة من التغريدات لأحد المدونين العرب، انتقد فيها (فريضة الجهاد) بصورتها التقليدية القائمة على ثقافة المدد الإلهي، ورغم أني أختلف معه في بضع توصيفات كتبها، إلا أن تغريداته تقاطعت في بعض جزئياتها مع أفكار كنتُ قد مررت عليها، إما عبر قراءاتي أو بين بضع مناقشات خضتها مع آخرين، منها على سبيل المثال فكرة للدكتور علي شريعتي في كتابه النباهة والاستحمار تتلخص في الفقرة التالية:
 
(عندما يشب حريق في بيتك، ويدعوك أحدهم للصلاة والتضرع إلى الله، ينبغي عليك أن تعلم أنها دعوة خائن، فكيف إلى عمل آخر؟ فالاهتمام بغير إطفاء الحريق والانصراف إلى عمل آخر ما هو إلا استحمار وإن كان عملًا مقدس أو غير مقدس)!
في اعتقادي إن فكرة ترتيب الأولويات هنا هي الفكرة التي تسيطر على منتقدي المجتمعات الإسلامية في تعاطيهم مع بعض القيم والواجبات الدينية، فالتصرف الطبيعي مثلًا لمن احترق بيته أن يحمل الماء ويستنجد بالجيران لينقذ عياله وممتلكاته، لا أن يصلي صلاة الاستسقاء حتى ينقذه الله بغيث من السماء!
أتصور أننا نحمل الكثير من القيم، بصورتها التقليدية التي تخلق منا بشرًا متواكلين وكسالى، وتُخرج من تحت أيدينا مجتمعات استهلاكية مغلوبة على أمرها، يبتزها الحاكم جهرًا والدول العظمى مواراة وسرًا.
بنظرة سريعة على المجتمعات الإسلامية ستجد أن الأسلوب السلبي في حملنا لقيم السماء هي أساس للكثير من مشكلاتنا، نحن مجتمعات مهزوزة لا تثق بقدراتها ولا بقيمها، وإلا فعلام نُمنى بالهزيمة كل حين؟! لأننا كثيرًا ما ظننا أن النصر يعني أن نحمل السيف ونتقدم، دون خطة، دون مراقبة، دون علم مادي نستثمره في دراسة مقدمات المعركة ثم أسباب النصر، ثم حين تغرقنا الهزيمة ندفع بالاتهامات تجاه قيم السماء (الي ما تجيب خبر) ثم صرنا نفتش بين دفات الشعوب المنتصرة عن قيم بديله وأنظمة أخرى غير التي منَّ الله بها علينا!
اليوم يهرب كثيرون من القيم النبيلة، لأن هناك من استخدمها بصورتها البالية الفجة، حتى أثبت لهم فشلها، وكأنها باتت مجرد فضائل أو قيم نظرية فحسب ولا تصلح للحياة الواقعية. كثير من المجتمعات الإسلامية اليوم تعيش أزمة الاستغراق في الماضي، كالجماعات الإسلامية التي ربما تعيش أكذوبة أن الحق كل الحق في أن ترجع أيام الخلافة الإسلامية على الطريقة الأموية، فتسبي النساء وتقطع الرؤوس وتأكل أكباد البشر!! وكثير من المجتمعات الإسلامية تريد الانطلاق نحو مستقبل غريب لا يعرفونه ولا يعرفهم، لا يربطهم فيه بالإسلام رابط، فالإسلام ليس سوى مكبل للشعوب، وقاهر لها، ومحارب للعلم، متوحش يدعو لافتراس الآخر وسحقه دون رحمة!!

كثيرات كفرن بالالتزام الديني، ذلك أنهن اخترن لهن أزواجًا ملتزمين دينيًا ظاهرًا، يظنون أن الدين هو أن لا يبتسموا في وجوههن، وأن يشاوروهن ليخالفوهن، وأن يعاملوهن من منطلق أنهن ناقصات عقل ودين!! حتى إذا ما اراد لها الله أن تخرج من حلق ذلك الزواج حتى تصر على أن تتزوج بآخر لا يستمع للخطب الدينية، ولا يكترث بالمتوارث من الأقوال والعادات، حريص على الاستماع للأغاني، متدبر في برامج التلفاز، مستغرق في المقاهي، نسي الطريق للمسجد!!
 
كثيرون سئموا من مقولة (رضا الله من رضا الوالدين)، ذلك أن والدهم لم يرض عنهم يومًا، رغم أنهم أطاعوه حين قرروا أن يدرسوا تخصصًا أراده هو ولم يريدوه هم، ذلك أنهم حين تزوجوا اختاروا زوجة يريدها هو لا هم من أرادوها، ولا زالوا يعنفون صبحًا ومساء تحت ذريعة هذه العبارة وتلك، ناسين أو متناسين أن رضا الله لا يتوافق مع قهرهم وكبت حاجاتهم والتدخل بكل شؤونهم، وأن نصيب الوالدين هو البر والإحسان لا الطاعة العمياء!
كثيرون صاروا يطالبون بقوانين وضعية تلغي قوانين السماء كقانون الأحوال الشخصية، ذلك أن المحاكم الشرعية ملئى بظلم الإنسان لأخيه الإنسان، ذلك أن كثيرون ممن وضعوا أنفسهم تحت طائل مسؤولية الحكم بين الناس، قد فقدوا عدلهم واتجهوا نحو شهواتهم واستغلوا مطرقة سلطتهم لينفذوا رغباتهم لا عدل الله وإحسانه!

لا أدري حقًا إن كان من حقنا أن نلوم أفرادًا تمردوا على مجتمعهم الذي يكبل الفضائل، ليحولها من معناها المرن الإنساني الوادع، لسجن بغيض يحبس داخله إرادة الإنسان وحريته وسعادته التي أراد الله لها أن تحفظ، لكني أثق أننا مطالبون بتصحيح الأمور.
أنه من واجب كل فرد أن يتعرف حقًا، على دين الإسلام بصورته المحمدية الأصيلة، التي تتباهى في أروع صورها عند أهل بيت نبي الرحمة، الذين عبدوا الله حق عبادته، وأدوا إليه حقوقه، وكانوا كالبلسم الشافي يضمدون جراح الأمة التي ما هدأت جراحها منذ وفد نبي الرحمة على العلي الأعلى.
لنحفظ فضائل الصبر والحب والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمداراة والإحسان للوالدين وغيرهم من سندان الإفراط ومطرقة التفريط، حتى تثق الأجيال بما تحمل من ثقافة إسلامية إنسانية لا يأتي عليها الدهر أبدًا.
 
 
نشر بتاريخ
25 أكتوبر 2014
 

مقال سابق: في موسم الحج .. الأطفال الحلقة الأضعف


في بقعة هي من أطهر البقاع، وعلى أرض فجّرها الله إكرامًا لطفل، هو النبي إسماعيل عليه السلام، وتروية لحاجته الملحة بالماء، ورأفة بعاطفة الأمومة التي أجبرت هاجر أن تسعى سبعًا بين جبلين، متوكلة على الله راجية أن يحفظ لها فلذة كبدها..


ستجد هناك على ذات الأرض، بينما تمارس مناسك هاجر، وبينما تستذكر الأمومة والرحمة، والطفولة واللطف الالهي، ستجد أن الطفولة هناك يتم استغلالها بكل قسوة.. ستجد أن عاطفة الأمومة ليست سوى سلاحًا لاستدرار عطف الحجاج، الذين أمَّوا تلك البقاع من كل واد.. وستجد أن السعي مهملٌ تمامًا ولا يتجاوز كونه مجرد طقس، عند من اختار أن يجتذب الأموال، عبر استعطاف الآخرين ببكاء الأطفال، بجوعهم ودموعهم وأحيانًا باستعراض بتر أعضاءهم! 
 
 






أذهلني كثيرًا أن أجد على قارعة الطريق، أمهات بعز شبابهن أحيانًا، يصطففن على امتداد صحراء منى، وبشكل أكثر تحديدًا عند منطقة رمي الجمرات، مستعرضات أطفالهن من مختلف الأعمار، بينما يبكون بحرقة تحت لهيب شمس منى الحارة، طمعًا في بعض الريالات!


لم أتمكن من التركيز كثيرًا في تلك المناسك، بينما أرى أطفالًا بعضهم لم يتجاوز السابعة من عمره، وهو يكشف عن كتفه المنزوع منه ذراعه ويمد اليد الأخرى لاستلام الأموال!
إحدى الأمهات كانت تضع طفلتها المنهكة، ذات الثلاث سنوات ربما، جالسة تمامًا أمامها، بينما يقع رأسها كل ثانية على كتفها حين يغلبها النوم.. طلبتُ من الأم أن تضع ابنتها في وضعية الاستلقاء إلا أنها رمقتني بنظرة غاضبة وأشارت عليّ بيدها أن (ابتعدي)!


هل من الغريب أن تستغل أمهات أطفالهن بهذه الصورة؟ هل من الغريب أن تتجمد عاطفة الأمومة عندهن لدرجة أن يقبلن بترك أبنائهن الرضع، تحت لهيب الشمس لاجتذاب المال؟

ربما تنتفي غرابة ذلك حين نفكر كيف من الممكن أن يغير الفقر نفس الإنسان، وكيف يضطره لمخالفة إنسانيته التي جُبل عليها، لكن هل تنتفي غرابة أن يكون ذلك الاستغلال تحت مرأى ورعاية دولة -إسلامية- بحجم السعودية وفي موسم الحج! موسم المساواة!



أحد الشباب المرافقين لنا بالحملة أخبرني حين رأى شدة ذهولي، بأن هؤلاء (جماعات أفريقية) يمتهنون التسول، يحضرون كل عام في موسم الحج ثم يمتنعون عن العودة لبلدهم، وأنهم يتعمدون كثرة الإنجاب زيادة في الأيدي المتسولة، ومن أجل استدرار العطف يقطعون أيديهم، أو يتظاهرون بقطع أرجلهم.. واستدل على ذلك بما شاهده في إحدى الدول الآسيوية أيضًا!


هي مؤسسة لها إدارييها وعمَّالها الذين يتاجرون بالإنسانية!


كنا كحجَّاج نُمنع من التجمع عند الاسطوانات البعيدة عن الرمي لإعادة جمع أنفسنا من قبل العسكر، بينما يفترش أولئك الأطفال مع أمهاتهم أرض منى، وفي عمق الازدحام الذي يضطر له الحجاج لتأدية مناسكهم!

كنت أستغرب بشدة لماذا نُمنع بينما يُترك المتسولون؟! والطبيعي أن يبعد هؤلاء عن الازدحام الخانق بأرض منى، الأمر الذي وجدت فيه رعاية لاستغلال الأطفال من قبل الدولة، وإلا فمن واجب السعودية ومن تزعم أنها أكبر دولة إسلامية، والتي تحصد الكثير الكثير من أموال المسلمين على امتداد العام أثناء زيارتهم للأراضي المقدسة، أن ترعى هذه الفئة وأن تستنقذهم من الجهل والفقر واستغلال الطماعين.


هل يعقل أن تعجز السعودية، عن فتح قنوات مع بلد هؤلاء المتسولين، لمتابعة أحوالهم وإعادتهم لبلدهم، بعد تأهيلهم إنسانيًا وعلميًا ليمارسوا التغيير في مجتمعهم؟ هل يعقل أن تغفل السعودية أو تعجز عن فتح مراكز تعليمية واجتماعية ترعى هؤلاء، وأن تقدم مساعدات مالية لبلدهم إن كان يعاني الفقر ليتمكن من احتضان أبنائه وتغيير وضعه الفكري والاجتماعي والعلمي والاقتصادي، الامر الذي بدوره سيخدم المجتمع الإسلامي عامة!


لا أدري لمَ استقر بقلبي شعور تعمّد بعدم مساعدة هذه الفئات، إذ أن مساعدتهم تعني تطوير الإنسان فكريًا وإنسانيًا، وهو حتمًا ما لا تسعى إليه بلدة تُصدِّر الإرهاب والتكفير، وتربي أبنائها ليكونوا آلة قتل تُدار لرعاية مصالح الدول العظمى دون أدنى اكتراث بالله وبالإنسان وبالمجتمعات!


لله در الطفولة فحتى في موسم الأمومة واللطف الإلهي.. تستباح!!
 
 
 
نشر بتاريخ
18 أكتوبر 2014

 

مقال سابق: حملات النصب ووعاظ السلاطين

جمعتهم الصدفة البحتة في حملة واحدة حين عزموا على حج بيت الله في هذا العام..
قرابة الـ50 فردًا اختاروا – وثقة في شخصيات من منطقتهم أو من معارفهم – أن يسجلوا ضمن الحملة.. السؤالان الوحيدان اللذان توجه بهما هؤلاء الأشخاص لها كانا حول امتلاكها لترخيص رسمي قانوني لتسيير الحجاج لمكة.. وحول توفر الإرشاد الديني الثقة لضمان سلامة مناسك الحج..
وتأكدوا من إضافتهم كحجاج عبر دفع مبلغ وقدره 1400 دينار لوسطاء لم يذكروا أنهم (لا ينتمون للحملة بشكل رئيسي) بل متعهدين بإلحاق المجموعة بالحملة بمجرد وصولهم لمكة ثم نقلهم ورعايتهم في المدينة المنورة!!
 
حين بدأ حجاج البحرين بالتوافد على مكة ومع صدمة إعادة الكثير منهم ومنعهم من دخولها، استبد بهؤلاء الخوف فصاروا يتساءلون ويستوثقون ويلحون بالسؤال حول سلامة إجراءات تسجيلهم.. ورغم كل التأكيدات بسلامة تسجيلهم كحجاج إلا أنهم مُنعوا من دخول مكة المكرمة عند منافذها لعدم امتلاكهم لملصقات تثبت كونهم حجاج مصرحين بعد مرورهم بمطار الرياض والطائف بسلام.. وعن طريق المنافذ البرية لمكة وبشكل فردي تمكن المتعهد بهؤلاء الحجاج من (تهريبهم) لداخلها بعد نزعهم لإحرامهم وترك كل مايتعلق بالحج من مستلزمات خلفهم.. صدمة هذه المجموعة لم تقتصر على يوم ونصف من المتاعب في محاولة الدخول بل امتدت حتى آخر لحظة لهم على الارض المقدسة..
فلا إرشاد ديني توفر إلا شفقة من المرشد الرئيسي للحملة والذي لم تره المجموعة إلا أثناء المحاضرات وفي رحلة رمي الجمرة الاولى!!
ولا كادر يأخذهم لأداء المناسك ولا خدمات أو رعاية صحية. الطواف لعمرة التمتع كان بإرشاد ديني لطالب علوم دينية جاء حاجًا لأول مرة في حياته، والتنقلات عبر القطار في المشاعر كان أيضًا عبر مواراة تلك المجموعة بعمق مجموعة أخرى كانت لها امتيازات الحجاج بفارق 200 دينار دفعوها ولم تُطلب من الخمسين فردًا موضوع مقالنا!
 
أما خيام المبيت في منى والتنقل منها لأداء طواف الحج ثم العودة لرمي الجمرات فكارثة إنسانية بحتة!! فحتى قوارير الماء كانت عصية على التوفر لهم بعد أداء كل منسك.. وبعد سقوط عدد من النساء مغشيًا عليهن أثناء رمي الجمرات، اضطر الشباب لالتقاط قوارير من الأرض وغسلها ثم إعادة شحنها من خزانات المياه المتوفرة على مسافات بعيدة ومتفرقة أو إعادة شحن القوارير التي تشبث بها أصحابها!!.. المرتان الوحيدتان اللتان استشعر فيها الحجاج الخمسون الرعاية كانت وهم متوارون في المجموعة التي استحوذت على كل الامتيازات وكل سبل الراحة!
لم يكن الأغرب هو تعرض الحجاج للنصب والإهمال بل والتلاعب بالأرواح مقابل ربح كان يفكر فيه أصحاب تلك الحملة.. بل وجدتُ الأغرب من ذلك هو إصرار البعض على (غفر) ذنب أصحاب الحملة، وخفض الأصوات المطالبة بمحاسبتهم بل والامتناع تمامًا عن التلويح حتى بتقديم شكوى رسمية ضدهم (حتى لا يتم قطع أرزاقهم)، وهذا البعض متضرر تمامًا ومستاء جدًا مما حصل!!
 
كان الحديث عن الصبر على البلاء كعبة يطوف بها البعض حتى تُقبل حجتهم وترتفع لبارئهم.. وكان (النصب والاحتيال واللعب بأرواح الناس) سيئة من الضروري أن تقابل بحسنة! أما المعروف الوحيد الذي يجب أن يدفع باتجاهه فهو (الصبر) والمنكر الوحيد الذي وجب دفعه كان (الجدال)!!
 
أعرف تمامًا كيف كانت نوايا هؤلاء بيضاء كقلوبهم النقية، لكني وجدتُ أن نتائج مطالباتهم تدفع باتجاه أن يواصل المتجاوز تجاوزه.. فمن أمن العقوبة أساء الادب حتمًا..  لا يمكن أن نمر على التخلي عن مسؤولية ما يقارب الخمسين إنسان بين شاب وكهل بين معافى ومريض بل وحامل أيضًا تحت ظروف لم يختبرها أغلبهم دون رعاية طبية بل دون ماء!! لازلت أدخل في حالة صدمة كلما تذكرت كيف ترك صاحب تلك الحملة والمسؤول عن إدارتها خمسين شخصًا في لهيب شمس أرض منى دون ماء إلا ما حملوه في أيديهم أثناء خروجهم من الخيام لرمي الجمرات بينما كانوا يمشون مسافات طويلة جدًا!! لازلتُ مصدومة بينما أتذكر كيف تساقط عدد منهم من شدة حرارة الشمس ومشقة عملية الرمي دون مرشد ديني إلا من طالب العلوم ذاته والذي سقط مغشيًا عليه كذلك، بينما طبيب وممرضة الحملة في الخيمة مع المجموعة الأخرى!!
 
نحاول كثيرًا أن ندافع عن الحق أمام سلطان جائر.. وندفع كثيرًا باتجاه رفض الظلم من متجبر فاجر.. لكن لا بأس أن يسود الظلم بيننا؟ لماذا نصر على ممارسة دور وعاظ السلاطين ونحن مكتسين بنوايا ملائكة؟ لماذا نربت بيد التراجع والاستكانة على كتف من أنهكه ظلم أخيه بدل أن ندفعه باتجاه أن يرفع الظلم عن نفسه.. أن يرفعه فحسب دون أن يتسبب بسقوط من ظلمه حتى!!
 
إن عملية المحاسبة عملية راقية جدًا.. لم توجد في الكون عبثًا!!
ألم يصرح الله بأن لكم في القصاص حياة؟!
ألم توضع القوانين للالتزام بها؟ وبحسب أهمية القانون وبحسب خطورة تبعاته توضع عقوبة مخالفيه؟ لا نتحدث هنا عن عدم توفير سكن قريب أو وسيلة تنقل باردة.. بل نتحدث عن أبسط حق لإنسان كان بينه وبين الحملة التي اختارها عهد بحفظ حياته وسلامته ومناسكه! نتحدث عن توفير علب ماء لحفظ حياتهم بينما وفرت الحملات الأخرى لحجاجها أثناء أداء مناسكهم الماء والسكريات!!!
 
لست ضد مبدأ العفو.. لنعفو عمن أساء وظلم لكن بعد أن نتأكد أن ظلمه لنا لن يتكرر مع آخرين وإلا فنحن اعتدينا على حق الآخرين بعد تخلينا عن مبدأ أصيل من مبادئ الإسلام هو ( النهي عن المنكر)!
 
أمران أوقعا هذه المجموعة في تعقيدات كان يجب أن ألا يتعرضوا لها وعلى كل من نوى حج بيت الله في الأعوام المقبلة أن يلتفت لها:
 
الأول: إخفاء معلومات مهمة عن المجموعة من قبل الوسطاء الذين لم يخبروا الحجاج بأنهم وسطاء لا ينتمون للحملة الرئيسية وبأن المجموعة ستلتحق بالحملة في مكة فحسب!
 
الثاني: النصب والتمييز الذي مارسته إدارة وكادر الحملة ضد هذه المجموعة عبر فرزها عن بقية حجاجها في تخلي سافر عن اتفاق الحملة مع الوسطاء برعاية الحجاج رعاية كاملة على أرض مكة مقابل أكثر من ألف دينار عن كل حاج!
 
حق وواجب أن نتحدث عن حق تمت إضاعته..
حق وواجب أن نُشعر كل فرد وكل مؤسسة في المجتمع أن هناك عاقبة للتجاوز.. وأن حقوق الآخرين لها قداسة لن نسمح بأن تُداس أيًّا كانت الجهة التي سلبت تلك الحقوق وتحت أي مبرر.
 
 
نشر بتاريخ
11 أكتوبر 2014
 

قف.. فكر.. قرر بوعي

  نسمع كثيرا عن مفردة (الوعي) ونُدعى كثيرا لأن نكون (واعين) بل وحتى في أحاديثنا المعتادة نطالب أن يكون الآخر مالكا-لوعايته الكاملة (تعبير دا...