ابحث في مدونتي

الاثنين، 24 يوليو 2017

مقال سابق: دور المرأة في التنمية الحقوقية

ورقة بعنوان: (دور المرأة في التنمية الحقوقية) / أعددتها وقدمتها في المؤتمر الوطني للمرأة البحرينية بتنظيم جمعية الوفاق الوطني الإسلامية يوم السبت ٢١/٦/٢٠١٤
 
مقدمة:
لم يعد الحديث عن جدلية الدور الذي تُمارسه المرأة موضوعاً بحاجة للمزيد من البحث والتحليل، إذ حسمته كل الجدليات لصالح المرأة وعلى اختلاف الانتماءات والتيارات الفكرية، ولأن التغيير عملية قيادية تراكمية يُمارسها جناحا المجتمع نساء ورجال، فمن الطبيعي أن نُركز على دور المرأة تارة ودور الرجل تارة أخرى، لكن شخصياً أتبنى الاعتقاد بأن المرأة حجر أساس في عملية التغيير الاجتماعي الثقافي بالذات.
 
في مجتمعٍ كمجتمع البحرين، مرت على المرأة كما الرجل ثلاث سنوات مريرة بل صادمة أحياناً، فمن كان يتوقع كمَّ الانتهاكات التي طالت المرأة بذاتها منذ الرابع عشر من فبراير حتى اليوم؟ ناهيك عن معاناتها نتيجة الانتهاكات التي طالت الرجل أباً وزوجاً وابناً.
على مدى هذه السنوات، قادت المرأة ولعدة اعتبارات عملية تغييرٍ في بناء المجتمع يراه البعض إيجابياً ويراه آخرون أحياناً ذا تبعاتٍ سلبية، قد تكون عمليات التغيير تلك بالنسبة للمرأة عملية عشوائية فرضتها الظروف أحياناً، كما فرضها تحدي المرأة لتلك الظروف في أحايين أخرى، إلا أن عملية التغيير لا بد أن تخرج من إطارها العشوائي، لتنتقل لأن تكون عملية مدروسة، مخططة وموجهة اتجاه ما يعود على المجتمع ككل بالفائدة، بحيث تُمارس المرأة دورها دون تكلف ولا شعور بعبء وكذلك دون قفز على الأدوار، ما يخلق تشتت الجهود وضياع الموارد.
 
المرأة والتصدي للعمل الحقوقي
الواقع:
من المجالات الجديدة التي دخلتها المرأة بشكل ملحوظ؛ المجال الحقوقي، فصارت ترصد الانتهاكات على الأرض، أو تُلاحقها بين جنبات المُنتهكِ حقه، تُدونها وتُوثقها وتُرسلها للجهات المعنية داخل وخارج البلاد، تُخاطب بها مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الانسان، وتقود حملات الدفاع عن حق الانسان في التعبير عن رأيه، وممارسة حرية معتقده، مُصرة على حقه في الأمن على نفسه مُستشهدة بالعهود والمواثيق المحلية والدولية التي ألزمت السلطةُ بها نفسها، حبراً على ورق كاشفة الوجه القبيح للسلطة التي استهدفت كل أشكال الحياة والحرية والكرامة لمن عارضها على هذه الأرض، وربما تجاوزت حتى حدودها، ومن خلال هذا العمل برزت العديد من القياداتالنسائية الحقوقية التي لم تُفوِّت السلطة أية فرصة لاستهدافها ومضايقتها ومعاقبتها على العمل الذي قامت ولا زالت تقوم به، وهو ما أُعده من مصاديق التغيير الذي خاضته المرأة تحت سلطة الظروف متحدية إياها بكل جدارة.
 
الطموح:
لكن ماذا عما يمكن أن تقوم به المرأة ومن بوابة اشتغالها كناشطة أو مُدافعة أو حتى مُهتمة بمجال حقوق الإنسان ضمن عملية تغيير مدروسة تستهدف ما هو أبعد من مُجرد الحديث عن انتهاكات السلطة أو رصدها وتوثيقها؟
ماذا عن دورها في إعداد مجتمع يحمل ثقافة سلوكية حقوقية بات من الواضح أننا نحتاجها في مُواجهة سلطة سلبتنا كل حقوقنا؟

أليس من الممكن أن يكون للمرأة دورها في تغيير ما راكمته سنوات القمع والتهميش؟
 
لا يُمكن أن يرزح مجتمع تحت سلطة قمعية كسلطاتنا العربية والخليجية كل هذه العقود دون أن يكتسب شيئاً من صفاتها.
 
عمليات الفرز والتحزب، عمليات تسقيط المختلفين، عمليات الانقضاض على المختلف وعزله ومهاجمته، كل تلك العمليات تمزقات صرنا نعانيها داخلياً، ولا أعتقد أن النضال في وجه السلطة يُغنينا أو مسموح له ان يُشغلنا عن عملية النضال الداخلي التي لا بد أن تكون مستمرة، منظمة، تخضع للتقييم الداخلي، وتتعرض للتقويم بين حين وآخر.
 
المرأة هي الأم في دورها الأول، هي المعلمة في رياض الأطفال ومختلف مراحل التعليم، هي الطبيبة والسياسية والخطيبة والمتطوعه وربة البيت والعاملة.
 
وحدة التغيير الأساسي في كل المجتمعات هي الفرد، فمتي ما وضعت كل امرأة في مجتمعنا نصب عينيها أهمية خلق جيل واع يمارس ثقافة حقوقية سلوكية تقوم على احترام الآخر مهما اختلفت فئته العمرية ومكانته الاجتماعية وخلفيته الثقافية، ثقافة تقوم على نقد الأفكار واحترام عملية التفكير مع صون كل ذات بشرية من التسقيط والإذلال الفكري فضلاً عن الإذلال النفسي والاجتماعي. أثق أننا حينها سنخطو بضع خطوات للأمام، ولن نحصد ثمارها اليوم فحسب بل على المدى الطويل جداً.
 
إن نجاح المرأة بشكل محدد يتبعه نجاح الوحدة الأساس في كل المجتمعات ألا وهيالأسرة وبالضرورة يتبع ذلك النجاح نجاح مجتمع بأكمله أفراداً وجماعات.
 
هل أحتاج أن أُذكركم بأن المجتمع الذي يقوم في أساسه على حرية التفكير بمسؤولية، المجتمع الذي يحترم عقول أفراده فيُخاطب تلك العقول مربياً النشأ على حرية مسؤولة قادرة على التغيير، هو مجتمع قادر على مواجهة كل التحديات التي تهدف لإخضاعه، ذلك أنه مجتمع حي منصرف لقضاياه الأهم ثم المهم، مجتمع يدفع باتجاه المصالح العامة محترماً المصالح الخاصة دون أن يلغيها (أي المصالح الخاصة) ودون أن تتفوق الأخيرة عليها (أي المصالح العامة)، مجتمع قادر على ابتكار مشاريعه الخاصة التي تحميه ممن يتربص به سوءاً، ولا أسهل من سحق مجتمع يعاني من التشرذم الاجتماعي والثقافي.
 
كلمة من هنا أدفعها تجاه كل امرأة وأُخاطب بها نفسي، لنكن بحجم التحدي ولنرفض عمليات التهام فئات المجتمع لبعضها بعضاً، بفتح ممرات وطرق التحاور والتفاهم ولا أقدر من المرأة على عملية البناء الشاقة هذه.
 
ألقيت بتاريخ
20 يونيو 2014
 

مقال سابق: إنسانية الحيوان

كانت المرة الأولى التي أشهد فيها عملية ولادة (حيوان ما / قطة).
لم نعتد على اقتناء الحيوانات في المنزل فوالدتي حساسة تجاهها.. كما أنها حريصة جدًا على النظافة.. إلا أن أحد أشقائي أصرَّ هذه المرة على اقتناء قطة فارسية ممشوقة القوام لكنها حبلى !!
 
لم أُفكر في موضوع حملها كثيرًا لذلك تفاجأتُ ذات ظهيرة حين وجدتُها على أرض منزلنا تضع قططًا صغيرة. شعرتُ بالتقزز قليلًا ثم تحولت مشاعري للشفقة عليها.
 
تلك القطة كانت صامتة تمامًا، تعيش حالة وضع صغارها وحيدة. استمرت عملية وضعها ما يُقارب الساعة، لم تئن ولم تحتج لمن يُبعد عنها صغارها ليُحممهم أو يلفَّهم.. بإبداع إلهي مُنقطع النظير كانت تلك القطة تُمارس أُمومتها غريزيًا، ليس عبر ولادة الصغار فحسب، بل عبر تطبيب نفسها وقطع الحبل المتصل بينها وبينهم، ثم لعق صغارها وتنظيفهم ثم إرضاعهم. مَنْ أَلْهَم هذه القطة لتكون طبيبة نفسها وراعية أولئك الصغار؟!

الغريزة التي قادت تلك القطة لم تكن غريزة حيوانية متوحشة، بل كانت غريزة راقية نشترك نحن بني الإنسان معها فيها. لا زلت أشعر بالذهول كلما تذكرتُ حالة ولادتها، ورغمًا عني انتقلتُ بتفكيري للجنس البشري. تذكرتُ عددًا من الحوادث التي ألقت فيها أم بإبنها الرضيع الذي لم يتجاوز عمره ساعات وأحيانًا أيام عند باب مسجدٍ أو حتى في عمق قمامة!!!
 
تُرى أين استحالت غريزة الأمومة حين تمكَّنَت تلك المرأة من قذف طفلها بعيدًا عنها، لتُدير له ظهرها متجاهلة قسوة الحياة التي من الممكن أن يُعانيها طفل كان في ساعاته الأولى من الحياة؟!
أُدرك أنه لا يُمكن لأم أنجبت طفلًا شرعيًا أن تُلقيه في المهملات مُتخلية عنه، ذلك أنه وإضافة لغريزتها التي كانت تستعد لاستقباله دون خوف أو وجل، فإنها تعيش وضعًا اجتماعيًا ضمن مجتمع ينتظر أن ترعى تلك الأم طفلها، فيُلحق جماله بجمالها، وحسن خِصاله بحسن تربيتها، فيما تحررت تلك الأم الجانية على صغيرها من ذلك الوضع الاجتماعي.
 
إن تكرار حوادث العثور على أطفالٍ رضعٍ عند أبواب المساجد والمنازل وفي حاويات القمامة، هو مؤشر على حالة من التفسخ الأخلاقي الثقافي الذي أخشى أنه بدأ ينخر في مجتمعنا، ولا بُدَّ من وضع حلول عميقة له، وأول أوجه هذه الحلول هو أن نُضخِّم داخل نفوس الأجيال مسؤولية الإنسان نحو الإنسان، فحين تُقبل امرأة / رجل ما على إقامة علاقة ما (شرعية أو غير شرعية) فإن ذلك يعني أنهما مسؤولان مسؤولية مباشرة أمام الله وأمام طفل من المحتمل ان يُحضراه للحياة وأمام المجتمع، ولا بُدَّ أن تُطبّق الحدود الشرعية والقانونية ضد عدم احترامهما لتلك المسؤولية. إن معنى تكرار تلك الحوادث يعني أن بعضنا يعيشُ ضمن مجتمعٍ منفلت لا يستطيع فيه الأب، أو لا يقوم فيه الأب بدوره تجاه أبنائه وبناته، إلا ضمن (سمعة اجتماعية) يُحافظ عليها، دون اكتراث ببواطن تلك السمعة. إن تكرار تلك الحوادث يعني أن بيننا من لا يُدرك معنى الحدود الشرعية التي أقرها الله في دينه، ولا ينظر إليها إلا كقوانين من الممكن تجاهلها في غفلةٍ من الشارع، تمامًا كإشارة مرور حمراء، أغفلنا كاميرا التسجيل الموضوعة على رأسها، وقطعناها في غفلة من شرطي المرور والمارة، وإن عنى ذلك أن نصطدم بأحدهم ونتسبب بخسارته ماديًا وبشريًا ومعنويًا لنستمر بالسير دون أن ننظر للخلف!
 
إن مسؤولية الإنجاب لا تتوقف عند تربية الأطفال والإحسان لهم أم لا، بل إنها مسؤولية تمسّ المجتمع بأسره وقد تكفَّل الإسلام بحفظ مجتمعه من عبث العابثين.
 
 
نشر بتاريخ
29 يونيو 2014
 

مقال سابق: الرفض الاجتماعي قوة رادعة

كثيرةٌ هي المظاهر المزعجة بل السيئة في مجتمعنا والتي نقوم بها بآلية رتيبة دون أن نتوقف عندها، مع علمنا الكامل بخطئها أو بمضارها أو بأهمية ترشيدها وتقنينها، لكننا نستمر في ممارستها مستسلمين تماماً لقوانين اجتماعية ما أنزل الله بها من سلطان.
 
حفلة زواج تُكلف سبعة آلاف دينار لشاب بدأ حياته للتو، واقعاً هو لا يمتلك تلك السبعة آلاف، لكنه استدانها من أحد البنوك على أن يرُدها بفوائدها خلال سبع سنوات!!!

لأنها ليلة العمر التي لن تتكرر، لأنه لا يريد أن يكون أقل من آخرين كانت لحفلاتهم وقع الزهو على تلك الزوجات وأهلهن، رغم أن كثيراً من الفتيات يقبلن أن يبدأن حياتهن ببساطة تعينهن على حياة يسيرة مستقبلاً، لكنهن سيجدن أهاليهن لهن بالمرصاد فـ (اللي ماعنده لا يدق باب الناس، والعزوبية ما ترد أحد!!!)
 
منذ قرابة الشهر وأنا أُتابع بصمت استعداد إحدى الروضات لحفل تخريج فوج من أطفال الروضة الذين صاروا بعمر المدرسة، تكلفة المشاركة ثم تكلفة الملابس، تكلفة الحفلة والصالة وربما المأكولات، مبالغ قد لا تتجاوز الأربعين دينارٍ لكل طفل، لكنها عبئٌ على الكثير من الأسر.
أتفهم بل من الجميل أن نرسم بسمة على وجه أطفال يعيشون لحظات الاستعداد للدخول لجو المدرسة، بل من الرائع أن هذه الحفلات قد تُتيح لهؤلاء الأطفال فرصة الوقوف على مسرح للإنشاد أو إلقاء الخطابات محتفظين بذكريات جميلة سيكون لها الأثر العظيم على نفوسهم مستقبلاً، لكن ألا يمكن أن تكون تلك الحفلة من البساطة بحيث يتمكن كل الأهالي من المشاركة ضمنها؟ يؤسفني أنها حفلات لتكريم أطفال يمكنهم (الدفع) بدلاً من أنها حفلات تكريم لأطفال كانوا (مبدعين) وقادرين على التعلم والاجتهاد رغم سني عمرهم الصغيرة!
 
لنقف وقفة صريحة ولنوسع مداركنا لما هو أبعد من حفلات الزواج وحفلات التخرج من رياض الأطفال، ما الهدف الذي نود أن نصل إليه ضمن المجتمع ككل؟ أليس مجتمعاً مستقراً قادراً على العطاء؟ كيف من الممكن أن نُحقق ذلك ونحن جميعاً نعيش حالة طوارئ مستمرة، فنعمل لكي نستهلك كل ما حصدناه في كماليات من الممكن أن نستثمر كُلفتها في بناء مجتمع أفضل على مستوى الجماعة وحياة أفضل على مستوى الفرد؟ كيف من الممكن أن نبني مجتمعاً يعيش شبابه حالة طوارئ شخصية نتيجة عدم قدرتهم على الزواج والاستقرار مثلاً؟!
 
إذاً ما دورنا كأولياء أمور وكأفراد معنيين تماماً بكل ذلك؟ حتى متى تستسلم كشاب / شابة مُقبل على الزواج إلى ضغوط المجتمع ليحتفل معكَ بزواج تكلفته سبع سنوات من عمرك بعد الحفلة ناهيك عما قبلها من سنوات؟! وتلك بالمناسبة ليست تكلفة مادية فقط بل تتجاوزها لآثار معنوية وأسرية واجتماعية نتيجة الضغظ المادي الذي لا بد أن تتركه.
 
حتى متى يعيش أولياء الأمور حالة (بيع) بناتهن لمن يدفع أكثر! -مع كامل الاعتذار على التعبير- لا لمن يحفظها أكثر أو يتفهمها أكثر أو يرعاها أكثر؟! حتى متى نقبل كأولياء أمور مقتدرين وبكل أنانية أن نحشر ذوي الدخل المحدود في زاوية بعيدة عن مشاركتنا لحظات سعيدة لأنهم ببساطة (لا يملكون)، أقولها لمن لم يسعفه تفكيره ليُلاحظ أن تأخر سن الزواج، ثم تنظيم النسل لدرجة تحديده، ثم حالة عدم الاستقرار الأسري الذي يعيشه أفراد المجتمع، إنما هي خدمات مجانية نقدمها لمن يتربص بمجتمعنا منتشياً بفكرة انتهاءه بأيدي أبنائه!
 
إن الرفض الاجتماعي الذي من الممكن أن يخلقه الفرد ضاغطاً على الجماعة، ثم الجماعة ضاغطة على المجتمع، ثم المجتمع ككل ضاغطاً على مؤسساته المدنية بل والحكومية، يُشكل أداة رادعة فعالة من المُمكن أن تُنقذنا من عوالق كثيرة استوردناها من خارج المجتمع تارة أو ورثناها كعادات وتقاليد من أجدادنا تارة أخرى.
 
نحن شباب اليوم،، لنكن أدوات ردع لكل ما هو مسيء وظالم ومضر بنا أفراداً وجماعات، ليس على مستوى المظاهر المادية السلبية فحسب، بل حتى على المستوى القيمي وهو ما أرجو أن يُسعفني الحظ لمناقشته في مقال آخر لاحقاً..
 
 
 
نشر بتاريخ
14 يونيو 2014
 

مقال سابق: ليكن مشروعًا وجوديًا

الكثيرُ منا يتحدثُ اليوم عن ضرورةِ التأسيسِ لمشروعٍ متكاملٍ ينهضُ بالشعبِ، في مقابلِ خصمٍ متمكنٍ، نافذٍ يملكُ السلطةَ والنفوذَ والمال والسلاحَ والدعمِ الدوليِ اللا متناهي، مشروعٌ ينطلقُ من هويتنا وتاريخنا وثقافتنا، مُعززٌ بالجوانبِ الاقتصاديةِ والإجتماعية، يُلقي بقوتهِ على الجانبِ السياسي، وربما العسكري لاحقاً، لنَتحول من أُمَّة مُستضعفة يَسهلُ استهدافها وحصارها، لأُمةٍ قادرة على أن تَدفعَ الأذى عن نفسها، على أقل تقدير لتَمضي قُدما في بناءِ مستقبلٍ أفضلَ لها ولأجيالها.
لكنَّ مشروعنا هذا مُحاصر بِكمٍ من الأسئلةِ أولها وأكثرها أهمية هي (ماهيةِ هذا المشروع)؟!
تُرى، ما هو المشروع الذي يجبُ أن نطرحهُ نحنُ الجيلَ الذي يقع على كاهله عبئ التغيير؟ مشروعٌ ذو هدفٍ سياسي؟ أم اقتصادي؟ أم كما نُردد أن يكونَ مشروعاً متكاملاً ؟! وحتى المشروع المتكامل، تُرى ما منطلقاته، من أين يبدأ؟ ماهي أهدافه قريبة، وبعيدة المدى؟
أولًا، لنُحاول الإجابةَ عن سؤالٍ غايةٍ في الأهميةِ هو؛
اليوم، مَن المُحارب على أرض أوال؟
كُل مُعارض لسياسات السلطةِ؟ أم كُل شيعي؟ أم الإثنان معاً؟
رُبما يُجيب كثيرون؛ أن المُحاربُ هُوَ (كُل) مَن يَتَجرأُ على السلطةِ بكلمةِ حق، سنياً كانَ أم شيعياً، وأزيدُكم، بل المُحارب كُل مَن يَتَجرأُ على السلطةِ أكانَ مِن أهلِ البلد أم من خارجِها، حكومةً أم شعباً، مُنَظمة أهليةٍ، دوليةٍ أو إذاعةٍ أخبارية.. فقدْ بَلَغَ الغُرور والتجبرُ عِندَ هذهِ السلطةُ مَبالغَ مُتقدمةٍ جداً.
لكن نحتاجُ للتركيزِ على المحارَبين من أبناءِ البلد، أتفق مع كثيرين يُؤمنون بأنَّ السُلطة تُعاقِبُ وتُحارب (كُل)َ مَن يقفُ بِوجهها أياً كانَ مذهبهُ وانتمائُه، إلا أنها تسيرُ بخطىً واضحةٍ لإبادةِ ومحاربةِ ابن البلد الأصلي (الشيعي طبعاً) وأجدُ أن من يكتفي بالقول أنَّ جميعَ المعارضين محاربون، يُساهم عن درايةٍ أو جهلٍ - مع كامل الإحترام- في بترِ الحقيقة المُرَّة؛ (أنَّ السُلطة مَشروعٌ قائِم على إبادة المواطنين الشيعة ويعنى التوقفُ عن إبادتنا -طوعاً أو كرهاً- فشلُ مشروعِ السلطة!) والشواهدُ على ذلك كثيرةً أكثرُ من أن أُحصيها، فحينَ يتجرأُ مُواطن من المذهب السِّني ليُعلن كلمةَ إعتراضٍ بوجه السلطة، فإنه قد يُحارب حقاً لكن، بعدَ عَزلهِ عن مجتمعهِ، فلا يُمسُ مسجده، ولا تُهانُ عقيدتُه، ولا يُأخذُ بذنبهِ أبٌ له، أو إبن، بل قد تُطوِع السلطة كل ذلك لتنتقم منه، ولتُحاربه مُنفرداً ليكونَ عِبرة لمن يعتبر، بمجتمعه وخارج مجتمعه، فلا يتجرأُ غيره بذاتِ جُرأته.
ماذا عن ابن البلد من المذهب الشيعي؟ واقعاً هو لا يحتاجُ ليُجاهِرَ بكلمةِ حق أصلاً، حتى تتم مُعاقبته، إذ أن عِقابنا بَدَأَ مُنذُ ما قَبل ولادتنا أي قبل حتى أن نَنَوي أن نكونَ في القِسمِ المُعارض للسلطة!!
فنحنُ محاربون في رِزقنا، مُنذُ أجدادنا حتى أبنائِنا، ذاقَ كثيرٌ مِنا الحِرمانَ مِن أبيهِ أو عائلتهِ مثلاً على فتراتَ مُتقطعةٍ نتيجةَ الزجِ بأبناءِ الشعبِ في السجون أو قذفِهم خارجَ حدودِ أرضهم، وذلك على فترات مُتعاقبة لم تنته حتى اليوم، ومنذ العام ٢٠١١ يُعاقَبُ الشيعةُ على أرض أوال، علناً وبِلا هواده، السابقون منهم واللاحقون، وإلا فما تفسيرُ هدمِ مسجدِ أمير محمد البربغي، الذي يُناهِز عمره ٤٠٠ عام؟!
إنهُ يعني وببساطة، أن الشيعي لا يُحاربُ في شخصهِ فحسب، بل يُحاربُ إنطلاقاً من واقعهِ مهاجِمين إمتداده، ووجوده، وثقافته، وعقيدته وتاريخه !!!
هل نُدرِكُ الفرقَ بينَ الحربين؟!!! **
الخُلاصة، نحنُ لا نحتاجُ لمشروعٍ اقتصادي ليوظف أبناءنا المُحَارَبين في أرزاقهم فحسب ..
نحنُ لا نحتاجُ لمشروعِ بِناءِ مسجدٍ فحسب ..
نحن لا نحتاجُ لِجمعية ترعى الأيتامَ فحسب ..
نحنُ لا نحتاجُ لإحراجهم بعدد ضحايا السكلر (مثلاً) فحسب ..
نحنُ بحاجةٍ لحملةٍ تثقيفيةٍ، اجتماعية، علاجية، وقائية، مادية، معنويةٍ ذاتَ أهدافٍ بعيدةِ المدى، تقضي على توارثِ مرضِ السكلر في ظرفِ عددٍ من السنوات.
بكُلِ وُضوح ، نحنُ لا نحتاجُ لمؤسسساتٍ تُحاول ترقيعَ ما افسدته السلطة، او تواصلُ الصراخ مُطالبةً بالتزامِ السلطة، نحنُ نحتاجُ لمشروعٍ (بهدف بعيدِ المدى جداً) مهما استُهدفت شخوصه، يظلُ مُمتداً في كل الأجيال، مشروع (أن نبقى) لا ( أن نموت)، مشروع (أفكار) لا يمكنُ تقييدِها أو الحدِ منها أو قتلِها.
كذلكَ فإن مساجدنا حينَ هُدمت لم تُهدم انتقاماً وتشفياً فحسب، بل هُدمت لبترِ امتدادنا التاريخي والعقائدي. ولنَتمكن من إفشالِ ذلك المخطط، فإن علينا أن نَمُد جسورنا مع ذلك الإمتداد، ليس عبرَ حِجارةِ المسجد، بل عبر تفعيلِ دوره، وتعميق وجوده، وعلى ذلك قس.
إنني أجد أن انطلاقة مشروعٍ كهذا لا بد أن يرتكز من الأساس، لا على أن يكون (شاملاً) بل على أن يكونَ (وجودياً ).
 
** همسة: حين أتحدث عن واقع مهاجمة السلطة للشيعة والفرق بين مهاجمتها للشيعي والسني فلستُ أُمارس الفرز الطائفي، بل أُحاول توصيف الواقع لنتمكن من معرفة المشكلة فإيجاد الحل، مع كل الحب لهذه الارض ومن عليها.
 
نشر بتاريخ
9 إبريل 2014
 

مقال سابق: قواعد اجتماعية مجحفة

في مجتمعنا لن تجد لك عونا إن قررت أن تتزوج على طريقة الآباء والأجداد ..
أو قررت أن تتزوج بطريقة العصر ..
ستجد من ينتقدك قطعا لكن حالك سيكون أفضل بكثير من حال رجل أو امرأة لم يشأ لهما الله الزواج فتقدم بهما العمر بغض النظر عن الأسباب ..
بينما حالهم قطعا سيكون أفضل بكثير من فرد (رجل أو امرأة) قرر أن ينهي زواجه بطلاق ولن يكون من قرر الزواج بثانية غير زوجته الأولى أفضل حالا من صاحبنا الأخير!
ببساطة نحن نعيش ضمن إطار اجتماعي معقد جدا لا يتمكن من أن يُزاوج بين أحكام دينه التي جاءت وفق علم كامل يقيني بالإنسان رجل أو امرأة وإرادة المجتمع المبنية على رغبات فردية كونت عادة اجتماعية او شكلت رفضا اجتماعيا لسلوك ما وإن أقر ذلك المسلك الشرع والدين ..
المصيبة لا تكمن في عدم قدرتنا على ذلك التزاوج وبالتالي عدم الحصول على حالة من التجانس الديني والاجتماعي تفرض الإستقرار النفسي للفرد وبالتالي للمجتمع .. مصيبتنا أن حالة عدم الإستقرار تلك فرضت صراعات فردية-اجتماعية وحاجات مكتومة وأمنيات مقطوعة الأذرع .. وافرزت سلوكيات خاطئة يرفضها الدين وربما غض المجتمع عنها بصره بقصد أو بغير قصد لأنه لا يريد أن يتنازل عن بعض الاعتبارات كأن تقبل الزوجات التعدد .. أو يقبل الآباء طلاق أبنائهم .. أو ترضى الأمهات لأبنائهم زوجات لسن أبكارا (مطلقات أو أرامل أو حتى ممن كبر السن بهن دون زواج) .. الأدهى والأمر هو أن تعاب زيجات تمت بسبب فارق السن بين الزوجين لرجل يكبر زوجته بسنوات عديدة نسبيا .. ولكم أن تتخيلوا جرأة امرأة قررت الزواج من رجل يصغرها سنا وإن بعامين أو خمسة فضلا عن عش سنين وإن كانا حين زواجهما يبلغان من العمر سن النضج!
صدقا لا أمتلك علاجا لمجتمعنا مما آلت إليه الأمور سوى أن يكون لنا مقياس رئيسي تتفرع منه مقاييس أخرى في قبول ظاهرة ما أو تصرف ما أو سلوك ما .. هو (شرع الله)
الشرع الذي يبيح الزواج لكل متمكن من الزواج (ماديا/اجتماعيا/معنويا/شخصيا/عقليا) أيا كانت صفته الاجتماعية .. الشرع الذي يبيح أن يتزوج أي رجل وامرأة وإن كبر أحدهما على الآخر عمرا مقبولا يقره ذات الشرع ..
الشرع الذي أباح لزوجين ما عادت بينهما الحياة ماضية مستقرة أن يغادراها بكل إحسان (إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) .. الشرع الذي يتيح لكل من لا بعل لها ( أرملة أو مطلقة) أن تتزوج مرة أخرى بمن قبل بها وقبلته زوجا (أرملا كان أو مطلقا أو حتى متزوجا) ..
لا أقول أن تختفي كل الضوابط ونحتفظ بضابط الحلية والحرمة مطلقا دون اي اعتبارات .. فنقبل زواج رجل ثمانيني من طفلة لم تتجاوز ال١٧ عاما مثلا .. اذ هناك عدد من القواعد المهمة الجديرة بالأخذ في الاعتبار .. تكون النصيحة والإقناع بابهم وربما الرفض المنطقي في مواجهتهم ضرورة ..
كل ما أقوله أننا بحاجة ماسة لغربلة قواعد وضعناها تختزل في نفسها ظلم واجحاف اجتماعي مساوئه لا تقتصر على الفرد ولا تنحصر في هذا الزمن .. بل تمتد لأزمان وأجيال .. وأضرارها تمس كل نفس بعموم المجتمع ..
نحتاج لاحترام خيارات اإانسان التي وهبها الله إياه .. نحتاج لاحترام حدود معرفتنا بظروفهم وأسبابهم ورغباتهم وحاجاتهم .. فنمتنع عن الحكم عليهم من منطلق زاويتنا الضيقة التي نتوقف عندها ..
كثيرون منا هم ضحايا مجتمعنا القاسي الذي يكبح حاجات الانسان ويدوس على مشاعره ويطالبه أن يكون مثاليا لا مستقيما .. مثاليا وفق قواعد ما أنزل الله بها من سلطان وإن منعه ذلك من أن يكون مستقيما!
 
نشر بتاريخ
1 مارس 2014

مقال سابق: مسلم بين الفتك الانتصار


فيا ابن عقيل فدتـك النفــــــوس***لـعـظـم رزيـتــك الـفـادحـة
بكتك دما يا ابن عم الحســـيـن***مدامعُ شيعتـك السافحة
لأنـك لم تــــــرْوَ مــن شــــربـةٍ***ثنايـاك فيهـا غـدت طائحـة
رموك مــن القصـــر إذ أوثقـــــوك***فهل سلمت فيك من جارحة
و سحـبـا تُـجَــرُّ بأسـواقـهــــم***ألـســتَ أمـيـرهـم الـبارحـة
 
 
 
عبرتان رئيستان اخذناها من قصة موفد الامام الحسين(ع) للكوفة (مسلم بن عقيل) بينما تجد تحت ثنايا تلك العبرتان عبر ... فبين مروءة طوعة وخلق مسلم الذي منعه من قتل ابن زياد في لحظة كانت ستغير مجرى التاريخ حقا..تجد الوفاء والشجاعة والاصرار..تجد الايثار والايمان والصدح بالحق والحرص على الصلاة والتمسك بالامامة الحقة ..تجد الانتصار للمبدأ والقيمة امام كل الانتصارات الدنيوية مهما برق نجمها
 
 
كان يمكن لهذا الرجل ان يستل سيفه وينزل على هامة ابن زياد وكنا سنجد آلاف المقالات التي تتحدث عن شجاعته وتسطر عشرات الاسباب التي اعطت ابن عقيل الحق في قتل ابن زياد حينها، وربما صار جدل (حق مسلم في قتل ابن زياد) يأتي في المراتب الاولى بعد جدل (الاحقية في الخلافة) لكنه وقف ببساطة شديدة قائلا لاصحابه حين استفهموا منه عن سبب امتناعه عن ذلك :(الإيمـــانُ قَيْـــدُ الفَتْـــكِ )
مبدأ التزمه الرجل غير عابه بآلاف الحسابات الانسانية والفطرية والدنيوية الاخرى..من خلال هذا الموقف الذي سطره مسلم لا احتاج كثيرا للعودة والبحث عن سجايا واخلاق وتربية هذا الانسان الا للتزود فموقف كهذا كفيل باعلامي عن سبب اختيار الحسين له دون غيره ووصفه كما وصفه الحسين في رسالته (قد بعثت لكم أخي وابن عمّي، وثقتي من أهل بيتي...) اذ لا يمكن ان يحز رجل ما ثقة الحسين هكذا عبثا بل لاسباب منها انه كان سيتخذ مثل هذا الموقف بمثل هذا الظرف الحرج 
 
 
لم يكن مقبولا ان تحوي كربلاء (تصرفات شخصية) تسئ لملحمة انسانية ذات اهداف الهيه خالصة كملحمة الحسين عليه السلام.. كل الشخوص اختيرت لانها تستحق ذلك لانها من ذات المنظومة التي ارادها الحسين والا فكيف قال عنهم امامهم (فإنّي لا أعلم أصحاباً أوفى ولا خيراً من أصحابي ، ولا أهل بيت خيراً من أهل بيتي) لو لم يكن ذلك حقا وهم أهل بيت لا ينطقون عن الهوى...لا اميل كثيرا للآراء التي تتحدث عن انعدام الناصر للحسين عليه السلام بالطريقة المتداولة والتي نعرفها جميعا من ان الجشع والخوف والغدر والخيانة كانت السمة الطاغية على بني البشر حينها كما لا اضعفها انما اثق انه كان يمكن للحسين تحشيد المتحمسين والمقدسين له لو اراد هكذا ببساطة لكن بقت اهداف تلك الملحمة تتحكم بشخوصها المختارة اذ هل يعقل ان تحمل كربلاء من العبر ما حملت منذ خروج الحسين حتى ما بعد مقتله وكل رجاله بشخوص متحمسة فحسب؟
 
الكثير يتحدث عن الصفات التي ميزت شهداء الطف كطاعتهم التامة للحسين عليه السلام وهو ما اجده صحيحا لو قرأنا هذه الشخوص ظاهريا او سطحيا فحسب والا فوراء تلك الطاعة التامة ايمان تام بالله.. ايمان كامل برسالة محمد وآل محمد التي اختزلها الحسين في شخصه فكانوا كما مسلم يتصرفون كما كان ليتصرف امامهم .. فصارت كربلاء النهضة التي لم تسبقها نهضة ولن تعدلها نهضة قط 
 
اما طوعة فهي ليست موفدة من الحسين عليه السلام ولم تصدر صكوك التأكيد على مبادئها واخلاقها قبلا لكنها وجدت بذلك الزمان والمكان وخلدت ذكراها لان العفوية والانسانية والايمان لم ينتف بذلك العصر ولم يغتال كله في كربلاء انما كان موجودا بالصدور خائفا يتخفى فكانت كربلاء لتفجر الايمان والصدق وتعلن للملأ ان القيم والاخلاق والمبادئ هي الحق الذي يجب ان يظهر وإن بزمان كزمان يزيد بعد معاوية حيث عادت الجاهلية بثوب اسلامي والاسلام من كل ذلك براء...
 
السلام على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى اولاد الحسين وعلى اصحاب الحسين 
 
نشر بتاريخ 8 نوفمبر 2013
عبر موقع ارتقاء
 

الاثنين، 17 يوليو 2017

لا تتخلي عن صداقاتكِ




 
في واقع الحياة يعيش الإنسان ما بين اجتماع وعزلة، يُردَد دائما على مسامعنا أن الإنسان في حقيقته كائن اجتماعي بل يُستَدل على تكوُّن الدول واختراع القوانين والتشريعات الوضعية على طبيعة الإنسان الاجتماعية وحاجته ليكون مع مجموعة يتبادل خلالها البشر حاجاتهم وينظمون خلالها تفاعلاتهم إلا أن وجود المرء ضمن مجموعة لا يُنهي حاجته للعزلة أيضا.. وبقدر ما تحتاج العلاقات الاجتماعية والتفاعلات الجماعية لجهد ووقت وضبط نفس ومراعاة للنفس وللآخرين، فكذلك تحتاج العزلة لجهد ووقت وضبط نفس ومراعاة للنفس وللآخرين.
.
الكثير من المناسبات والتفاعلات الاجتماعية هي بمثابة عادات يضطر البعض للقيام بها مُكرهًا تحت ضغط "الواجب الاجتماعي" لحفظ أواصر التقارب العامة داخل المجموعة، على مستوى العائلة أو الحي أو القرية والبعض يُعبّر عن حالة ضيق شديدة لكثرة واجباته الاجتماعية بينما يعيش آخر حالة سعادة شديدة وهو يمارس تلك العادات ويؤدي تلك الواجبات بل لعل البعض يعيش حالة من التعاسة لأنه فارغ من التفاعلات والواجبات الاجتماعية لأسباب مختلفة..ولعلنا جميعا نتفق أن الاعتدال دائما هو الحالة الصحية فلا استغراق في التفاعلات الاجتماعية ولا عزوف عنها بل الحفاظ على مساحة عزلة مثمرة ومدّ خيوط التواصل والحفاظ على مجموعة علاقات اجتماعية مثمرة أيضا فلا غنى عن الاجتماع ولا العزلة
.
"علاقات الصداقة" أحد أجمل أنواع التفاعلات الاجتماعية، انها تقع غالبا خارج اطار صلة الرحم وكذلك خارج اطار الواجب الاجتماعي، لعل الصداقة هي اكثر العلاقات الاجتماعية "إلحاحًا" على النفس خصوصا حين يوفق الله المرء بصداقات صادقة ومتينة وقوية وهو ما لا يتوفر في الجميع ولا يتوفر للجميع واحب الاستشهاد بتعبير الشاعر العراقي ايهاب المالكي "العشرة الطويلة إتريد نوعية" أي ان العلاقات طويلة المدى تحتاج لأفراد من نوع خاص وحقا ما قال
.
على مدى سنوات دراستي وعملي وتطوعي دفعتني الهموم والأهداف والأحداث للعديد من العلاقات بعضها تحول لعلاقة صداقة عميقة جدا ولستُ ممن يطلق وصف الصديق على أي فرد أدرك تماما معنى أن فلان من الناس صديق دونا عن الآخرين إلا أن طبيعة الحياة والانشغالات قد تُبعد البعض وقد تُفَتِّر العلاقات مع البعض الآخر خصوصا نحن النساء فبعض الفتيات تأخذها الحياة الزوجية والأبناء من جملة علاقاتها والمؤسف أن تأخذها من علاقات الصداقة بالذات!
 
منذ أيام التقيتُ بصديقة قديمة جدا جدا، صديقة لم تعد إنسان اعرفه فبالرغم من أن مقاعد الدراسة ومناسبات القرية جمعتنا على مدى ثمان سنوات تقريبا حيث كنا نعيش صداقة لدرجة الالتصاق إلا أن لقائي معها كان باردا جدا لم يستغرق سوى لحظات تبادلنا خلالها تحية ثلجية لا تشبه حتى تحايا الغرباء.
 
تأملتُ كثيرا لأتذكر نقاشا كنا نخوضه دائما.. من المهم أن تكون المرأة شعلة نشاط منزلها والراعي الأول لافراد الأسرة لكن ذلك لا يمنع أن تحتفظ كل سيدة بسلسلة علاقاتها خارج اطار أسرتها الصفيرة لأنها ككل إنسان تحتاج هذه المساحة الخاصة جدا


مساحة أن تكون صديقة لصداقة امتدادها سنوات طويلة وأحداث متفرقة وخبرات عديدة.. مساحة تحتفظ فيها بكونها تلك "الفتاة" مهما كبرت وتعقلت وتحملت مسؤوليات..تلك الفتاة التي تستغرق بالضحك كلما التقت صديقاتها..تلك الفتاة التي قد تتصرف بحماقة معهن وقد تقول عبارات يُساء فهمها لكن لن يُساء فهمها وهي في محيط صديقاتها تلك..مساحة تتحدث خلالها عن أحلامها التي لم تتحقق دون أن تشعر بأنها فاشلة! مساحة تتحدث خلالها عن لحظات الشعور بالخذلان والفشل القاسية دون أن تشعر بأنها تكشف نقاط ضعفها أو تشتكي ربها!!


هذا النوع من الصداقات بمثابة لحظات العزلة التي تحتاجها الزوجة والأم بعيدا عن اسرتها لتعود إليها ممتلئة بشحنات ايجابية منعشة تستأنف معهم مسؤولياتها ومتعتها وتستشعر خلالها "أناها" وشئ من حريتها واستقلاليتها مع شخصيات تكون في قمة التلقائية معهن.


أنا ممن يعتقدون أن السيدة التي تتقدم في العمر بعد ان تقطع أواصر القربى مع صديقاتها ستكون مهددة بلحظات وحدة قاسية في مرحلة لا تتيح للانسان أن يجازف بدخول علاقات جديدة لتكوين صداقات متينة عفوية بلا مجاملة ولا تكلف الا اذا انقذت نفسها من ذلك مبكرا!



لكل النساء أقول


حافظن على صداقاتكن
احرصن على تواصلكن
اسمحن لعملكن وأسركن أن يشغلن المساحة الأكبر لكن دائما ارجعن لحضن لقاءاتكن وحافظن على مساحتكن وعلاقاتكن الخاصة التي يجب أن تحترمها أسركن.. لا تتنازلي عن مساحتكِ الخاصة تحت أي مبرر.


لكل الرجال أقول
احرص على أن يكون لزوجتك مساحتها الخاصة..ان كنت حريصا على سعادتكم


همسة:
 
نحفظ ذكريات الاجتماع الجميلة
لُتعيننا على حاجة العزلة الضرورية

إيمان الحبيشي

قف.. فكر.. قرر بوعي

  نسمع كثيرا عن مفردة (الوعي) ونُدعى كثيرا لأن نكون (واعين) بل وحتى في أحاديثنا المعتادة نطالب أن يكون الآخر مالكا-لوعايته الكاملة (تعبير دا...