ابحث في مدونتي

الأحد، 22 فبراير 2015

قصتي : حب في ن السياسية (33)

 
 
 
 
 
زهراء مشغولة جدا بالاستعداد للحاق بزوجها، أخيرا ستحمل طفلها الذي كبر، ليتحدّا برّب أسرتهما، الذي ما سُمح له حتى الآن بأن يباشر دوره كما يجب. لقد حصل حسن على إقامة بإحدى الدول التي يطمح للالتحاق بجامعتها، وهكذا ستفعل زهراء، إذ سينشغل الاثنان بإكمال دراستهما وتأسيس حياة جديدة. كانت شريفة اليد اليمنى لزهراء، إذ تحملان منتظر وتتسوقان ملابس شتوية، تناسب البلاد التي عزما على الذهاب اليها، وكذلك كانت يدها اليمني في استكمال إجراءات السفر والتأشيرة. مشاعر مختلطة كانت تتصارع بقلب هاتين القريبتين والصديقتين، فشريفة سعيدة جدا لأن زهراء ستلتقي زوجها أخيرا لتستقر معه، وكذلك فان زهراء تكاد تطير فرحا لأنها ستشارك زوجها حياته وسيشاركها عمرها، أخيرا بعد أن تزوجا وأنجبا دون أن يسكنا ذات الغرفة ولو ليوم واحد! لقد كانت تلك أيام شاقة جدا، لا يتمناها العدو لعدوه كما تردد زهراء دائما. لكن تلك الفرحة تكبلها مشاعر الخوف من الفراق، ويلسعها لهب الاشتياق، من ذا الذي يختار أن يترك أرضه وأهله وتاريخه ليغادرهم حتى وقت غير معلوم؟! لم تكن زهراء في يوم ما تفكر بترك بلادها ولو مؤقتا! لقد كان معدلها في المرحلة الثانوية يأهلها للابتعاث للخارج، وهو ما حضها عليه والدها، إلا أن فكرة الرحيل تلك لم تكن يوما ترتاح لذكرها، إنها نخلة ضاربة بعمق الأرض، لا تعطي الثمر إلا في تربتها، أو هكذا كانت تتصور! إلا أن حسن غيَّر معادلة الحياة في عقلها، لقد صار لها وطن، تسكن قلبه، تستظل بحمايته، وتفديه بروحها.

 الأوطان يا سادتي ليست أرض وشجر فحسب، انها أرواح وقلوب، انها صلة رحم، انها شعور بالأمان يسكننا، وأينما كان صرنا!


عاد الحاج علي من مشواره، وفي يديه ورقة يخبأها خلف ظهره، استدعى أم فهد وشريفة وكل البنات، وصار يسألهن أن يخمن ما هذه الورقة :

- من فيكن الأقدر على التخمين .. ما هذه الورقة خلف ظهري؟

- تأشيرة سفر زهراء

- لقد سلمتها تأشيرتها .. اجابتك خاطئة ..

صارت الفتيات تتسابقن لتصبن التخمين الصحيح، بينما كانت أم فهد جالسة تراقب الفوضى التي أحدثها شقيقها في المنزل، بمجرد أن دخل اليه.
لم يتغير علي ولو بمقدار شعرة، لقد كان شقيقا مميزا جدا، وحين يدخل على العائلة التي لا ينفض جمعها من منزلهم، كان يتسبب بذات الفوضى! أحيانا بتوزيعه للحلوى على الأطفال، أحيانا بمزاحه مع الخالات، أحيانا بحمله لجدتهم وتقبيلها ومحاولة اضحكاها! " لم ولن تتغير يا علي .. لا زلت رغم كل ما لاقيت تجيد رسم البسمة على الشفاه .. ولا أدري يا أخي هل ستعيد رسم البسمة على شفاهي كما فعلت لشريفة أم لا"
كانت أم فهد تعيش حالة اشتياق لمنزلها الهادئ، رغم كمِّ السعادة الذي تشعر بها في منزل شقيقها، إذ يبقى المنزل مملكة المرأة التي تأبى أن تتخلى عنها، وحين تتنازل عن عرشها فذلك يعني أنه استحال لكومة أعواد وتخشى أن يُوقعها من الأعلى، فتختار النزول!
كانت تتوق لتسأل أخاها ان كان قد تحدَّث مع زوجها، لكنها خشيت كثيرا على كرامتها "ماذا لو تحدَّث معه فرفض الحضور؟ ماذا لو تحدث معه فشتم شقيقها؟ ماذا لو؟ ماذا لو؟" الكثير من الأسئلة كانت تتراكم بعقل أم فهد، ورغم شوقها للعودة لمملكتها، ورغم سعادتها بوجودها بين عائلتها الكبيرة، إلا أنها كانت كالمعلقة بين السماء والأرض!
 
 
 
 
 
لم تتمكن الفتيات من الوصول لتخمين صحيح، فقرر الحاج علي أن يخبرهن عن الورقة، فطلب من شريفة أن تتقدم الفتيات، وتقترب منه وهكذا فعلت. بمجرد أن صارت شريفة أمام خالها مباشرة، استخرج الخال الورقة ووضعها أمام وجهها، فصارت تقرأها بتمعن :

الزوج : فضل حسين جابر

الزوجة : شريفة .......

لم تكمل القراءة، وضعت شريفة كفيها على وجهها، وصارت تجهش بالبكاء، إنها وثيقة زواجها من فضل!

- لا أعتقد أن هناك داع لتأجيل توثيق الزواج أكثر.. كما أن وجود الوثيقة قد يقيد أي فكرة تطرأ على عقل فهد لإنهاء زواجكما ..

كانت شريفة تبكي بحرقة، اختلطت مشاعرها كعادة مشاعر أهل هذه البلاد، ففرحهم مليء بالحزن، وأحزانهم مفعمة بالأمل! كانت سعيدة جدا، أن ثبت اسمها بجانب اسم زوجها، منذ اليوم لن تخبأ زوجها في قلبها فقط، بل ستبوح به للجميع، ستعلق صورته على باب غرفتها، وفوق طاولة مكتبها، وستطلب من المؤمنين أن يرددوا اسمه بعد كل دعاء، وستحمل لافتة خاصة به في كل مسيرة، وستطالب به على رؤوس الأشهاد. منذ الآن لن تخشى فهد ولا حتى والدها، لن تخشى الدنيا. أليست القلوب لنا وطنا؟ أو ليس من واجب الانسان أن يستشهد دفاعا عن وطنه؟ شريفة كانت تتمنى هذه الشهادة!

كانت والدتها تراقب دموعها، سبحان الله منذ مدة لم تكن هذه الأم تعي ما يدور بخلد ابنتها، اليوم هي تعرف تماما ما يدور بقلبها، انها تدرك أوجاعها وآمالها، تعرف ما السر وراء كل بسمة ترتسم على شفتيها، تعرف معنى كل احمرار يسكن خديها، تدرك الاحمرار القاني الذي يسببه لها الغضب، وتعرف ذلك الاحمرار الهادئ الذي يرسمه بخديها فضل بريشة حنانه! وبينما شريفة تنتحب باكية، كانت أم فهد تضحك ملئ فيَّها، ذلك أنها أدركت بأن تلك الدموع لا علاقة لها بالحزن، بل هي الكنز الذي يحترف الحاج علي استخراجه من عمق قلوبهم، لقد استخرج من قلب شريفة كنزا اسمه فضل، وستزين شريفة رأسها بتاج حبه.


كان الحاج علي يترقب موعده مع أبا فهد هذه الليلة، فهو يعرف أن شقيقته لن تصمد طويلا بعيدا عن زوجها، كانت أم فهد ترفض بعض أفكاره، وصارت ترفض الكثير من سلوكياته، لكنها تجيد احتضان أخطائه وهفواته، وتحاول التأقلم مع طباعه وأسلوب حياته، ربما بالغت في ذلك حتى تعبت من تلك المبالغة، أو ربما استُفزت مشاعر الأمومة لديها، فضحّت بشيء من استقرارها من أجل راحة فلذة كبدها، أو ربما كانت تريد أن تكون كوالدتها، فرغم كل القطيعة والفراق، إلا أنها ستظل طوال عمرها تذكر كيف كانت تلك الأم رحمها الله دائما الى جانبها، ليس حين تجيد التصرف فحسب، بل حتى عندما تسئ، فتربت على كتفها، وتمد لها يدها لتعينها على الوقوف مجددا، نعم كانت تريد أن تكون تلك الأم التي لا يمكن أن ينساها أبناؤها، فقررت أن تحفر بذاكرة شريفة، صورة الأم التي تمنت لو تكون كل الأمهات مثلها، حتى هي! 
يجيد الحاج علي قراءة القلق على قسمات وجه أخته، أراد أن يخبرها بموعده مع أبا فهد، لكنه لا يدري أيستجيب لتلك الدعوة أم لا، فانتظر حتى المساء، لعله يدق جرس بيته، لعل الكثير مما هدمه الدهر، يُعاد بناؤه من جديد، قرر أن يتركها مع قلقها، حتى يكون قادرا على إبادته تماما.


أخبرت شريفة عائلتها، أن أم فضل عازمة على زيارتهم للمرة الثانية، لقد صارت هذه المرأة تشتاق لشريفة كثيرا، انها تدرك عمق مكانتها في قلب فضل، وحين تكون معها تستشعر راحة ابنها وكأنها تطوف بينهم، مغادرة اليه لتسكن قلبه، بعد أن ترفرف بالسعادة فوق رأسه. حضرت الأم هذه المرة يرافقها زوجها والد فضل، لقد جاء طالبا من الحاج علي أن يأخذ زوجة ابنه لمنزلها، لم تصدق شريفة ما جاءت به عمتها الليلة :

- لقد جهزنا منزل الزوجية .. ولم يعد ينقصه الا أهله .. سنشعر أن فضل يسكن بيننا حين تكون شريفة معنا

لقد كانت شريفة سعيدة جدا بطلب عمها وعمتها، الأمر الوحيد الذي يزعجها، وربما يمنعها من تلبية طلبهما، كان وجود أمها خارج البيت. لقد عاشت شريفة في كنف والدين تربطهما علاقة ود كبيرة، ورغم أنها في السنوات الأخيرة كرهت استسلام أمها لوالدها، الا أنها لطالما تمنت لو حصلت على علاقة زوجية تحوي مقدار حبهما وتحاورهما. لم تفهم شريفة جنبة التناقض في علاقة والديها، لا تعرف كثيرا عن الأسباب التي جعلت والدها ورغم كل حبه لوالدتها أن يقسوا عليها، ويبعدها عن عائلتها، ولم تعي كيف لأمها رغم قدرتها على التأثير في والدها، أن تعجز عن منعه من التحكم في علاقاتها، وربما لا زالت تقرأ الحب بينهما وتحتار في القسوة التي يظهرها والدها. ليس كل ذلك مهما الآن، المهم أن شريفة تعي أن لا غنى لوالديها عن بعضهما، وأن أمها ورغم كل الراحة التي تشعر بها وهي بينهم، الا أن حزنا خفيا يسكن جفنها، ويسلب النوم من عينيها، ولن تكون قادرة على ترك والدتها تنازع الحزن بعيدا عنها :

- أعدكما أني سأكون بينكما قريبا جدا .. فقط أنتظر أن تُحل بعض الأمور

قاطعتها والدتها:

- بل ستذهبين معهما .. مكانك الطبيعي هو بيت زوجك يا حبيبتي

استدارت شريفة ناحية أمها، لقد وقعت كلمت والدتها بعمق قلبها "مكانك الطبيعي هو بيت زوجك" انه مكان والدتها الطبيعي أيضا "كم تتألمين يا أمي .. يا الله أرجوك أعد الود بينهما" صارت شريفة تشعر بذنب كبير، لم تكن تخطط بأن يحدث كل ذلك، لقد أثلج تصرف والدتها قلبها، لكن اليوم عاد هذا القلب للاحتراق من جديد، هذه المرة يحترق من أجل هذه الأم لا بسببها! صارت شريفة تتساءل "ترى كيف من الممكن أن يعود والديَّ لبعضهما؟" :

- ماما .. إذا وعدتني أن تعودي للبيت .. فسأذهب مع عمتي

- ستذهبين يا ابنتي .. أما أنا فقد شاء الله لي أن أصلح خطئا كبيرا .. والإصلاح يحتاج لوقت!


بسرعة رفع الحاج علي رأسه ناحية أخته، كم كبرت في عينيه! ليس مهما إن أخطأنا يوما، ليس مهما لو استمر ذات الخطأ أياما، المهم أننا وحين ندرك حجم خطأنا، أن نصر على إصلاحه! بكل ثقة توجه الحاج علي بالكلام ناحية أم فهد:

- لقد طلبت من أبا فهد تشريفنا الليلة .. آمل يا أم فهد أن تعودي لبيتك.. أما بيتي فهو لك متى شئت وكيفما أردت

- حين يحضر يا أخي .. أخبره أن لي معه عهودا ومواثيق لا بد أن توضع لتنفذ


تبسم الحاج علي لشقيقته، يبدو أنه لن يتعب كثيرا هذه الليلة، فسواء لبى أبا فهد تلك الدعوة أم لا، فان أمامه سيدة عازمة على تصحيح الأمور، انها على عكس ما كان يتوقع، تعرف ما تريد تماما، هي تريد مملكتها وزوجها لكن ... تريد أيضا وقبل كل ذلك "نفسها"

- هيا يا ابنتي .. قومي لتعدّي نفسك لبيتك .. سنأخذك جميعنا .. سنزفك عروسا حتى يقضي الله أن نزف لك عريسك .. قريبا يا حبيبتي .. قريبا ان شاء الله


بكل شوق وحب، صارت شريفة وللمرة الثانية، تجهز أغراضها فرحا، لا زالت تشعر أن الله يحررها من عبودية سواه، فخلصها من فهد وجبروته، ويخلصها الآن من خوفها ومجتمعها، ستذهب لبيت الزوجية، هناك حيث سرير فضل وملابسه، حيث تذكاراته وصوره، حيث لمساته وأنفاسه، حيث أهله وذويه ومحبيه، ستعرف البيئة التي نشأ فيها، ستعرف كيف صار رجلا مسؤولا محبا، ستدرك الفرق بين إعداده وإعداد شقيقها، ربما ربما تبدأ في استيعاب الكيفية التي تصنع من المرء انسانا لا وحشا، فتصنع في يوم ما من الانسان الذي يهبها الله إياه انسانا سويا.


التف حولها أحبتها، خالها علي ووالدتها، والديَّ فضل وعمتها، بنات خالها.  اكتملت حلقة الحب من حولها، ولم تنقصها سوى أيقونته "فضل" الذي تثق أنه في يوم ما سيزين تلك الحلقة، لتعكس اشعاعات حب وخير ووفاء.  سارت بينهم بخيلاء، حملتها سيارة عمتها المزينة، وانطلقت من خلفها سيارات خالها وبنات خالها، وصاروا يطلقون أبواق الفرح، لم تشعر شريفة أنها في السيارة عروسا دون عريس، كانت تشعر أنها أميرة، ذاهبة لتسكن قصر أميرها الذي لا زال يجتاز الامتحان تلو الامتحان حتى يصل اليها، جديرا بانتظارها وحبها.
 


وصلت شريفة عند عتبة منزل زوجها، كان كل أشقاء وشقيقات وخالات وعمات وجيران فضل بانتظارها، بمجرد أن وصلت انطلقت أصوات الزغاريد، وصارت العمات ترمين النقود عليها، احداهن وبعد أن احتضنتها وقبّلتها، أجلستها على كرسي وضع خصيصا لها، عند عتبة البيت تماما، وصارت تغسل قدميها بالأرز وماء الورد والمشموم، واضعة شيئا من النقود في ماء الغسل، ثم وبرجلها اليمنى خطت شريفة لمنزل المستقبل. مستقبل رغم كل العتمة التي تحيطه، يصدر اشعاعات أمل، يعينها على الولوج اليه كل هؤلاء الأحبة من حولها. هدأت الزغاريد، وانتقل الجمع لمرحلة التعرف على شريفة، صرن يسألنها عن أصلها، وعائلتها وعملها وتعليمها، كانت بعض الأسئلة فضولية جدا، فمن تكون تلك التي سلبت لب فضل حتى تزوجها على حين غرة! مَن أهلها؟ من أي بلد جاءت؟ ولماذا تتكلم بهذه اللهجة؟ كان البعض يتفحصها تفحص البضاعة المعروضة للبيع!! شعرت شريفة بشيء من الخجل كما شعرت بشيء من الضجر، لتتحول بعد حين للشعور بشيء من الضيق. ما الذي يصيب الناس فجأة؟ ولماذا يسألون كل هذه الأسئلة؟ مجتمعنا المنفتح منغلق جدا في قضاياه الاجتماعية، فحين يتزوج الشاب فعليه أن يختار أميرة! يقدمها للمجتمع حتى يرضى عنها؟! همست احداهن بأذن شريفة :

- هل هو زواجك الأول؟!

بدهشة من السؤال، وبنية صافية، وبشيء من الاحراج أجابتها:

- لا

فهمست لصديقتها :

- بخبرتها سرقت لبه!!!

هنا وجدت أم فضل أن من واجبها أن تضع لبعض الفضوليات حدا، فرفعت صوتها:

- يا أحبتي .. لا تسألوا شريفة عن عائلتها .. فإنها "نحن" وأنتم تعرفونا جيدا .. لا تسألوها عن موطنها لأنه "فضل" وأنتم تعرفونه جيدا .. اختار فضل شريفة ورغم كل ما عاناه تزوجها .. واختارت شريفة فضل تاركة كل شيء من أجله .. هنا والدتها بيننا فهنأوها وهنأوني .. وادعوا لهما بأن يلم الله شملهما عاجلا وأن يرزقهما بالذرية الصالحة..


مجتمعنا لا يزال سجين في قفص الاعتقادات المريضة، فالمطلقة والأرملة ليستا سوى فئات منتهية الصلاحية، يُنظر اليها كالعفن الذي يقتنص الفرص ليتنفس دون وجه حق! انهن كائنات حية يملكن حق الحياة والحب والشراكة والقبول والرفض!
الزواج ليس مزادا يمتلك معروضاته من يستطيع الدفع أكثر، انها شراكة عمر وحياة، انها تعني أن يبحث الانسان عمن يشعر معه بالاكتمال، قد يكون صاحب تجربة سابقة، قد يكون صغيرا في العمر، قد يكون كبيرا، قد يكون فقيرا أو غنيا، قد يكون أسمرا أو أبيضا، قد يكون من أصحاب الشهادات أو من غير المتوفقين لذلك، قد يكون غريبا عن مجتمعنا أو مولود من صلبه!!

كانت هبّت أم فضل بمثابة الحائط الذي صدَّ عن شريفة الاحراج والألم، مع صوتها علمت أنها ستكون تحت جناح أم رحيمة محبة قوية "هنيئا لك يا فضل هذه الأم .. وهنيئا لي كذلك" نظرت لوالدتها التي تبسمت لها وكأنها تقول "ونعم الأهل!"


عند الثامنة مساءً، طُرق جرس باب منزل الحاج علي، كان خاليا الا منه، شعر الحاج علي براحة شديدة، لا بد أنه هو (أبو فهد)، فتح الحاج علي بابه، كان أبا فهد أمامه مباشرة، نظرا لبعضيهما، لم يتغير أبا فهد كثيرا، انكشف رأسه قليلا، وامتلأت لحيته بياضا، بينما أكل الدهر من عمر الحاج علي وشرب، فوزنه صار أقل من أيام شبابه بكثير، وزاد بياض شعره وبشرته. قبل أن يرحب الحاج علي بزوج شقيقته، سبقه صوت صراخ وعويل، التفت الرجلان للخارج، يبحثان بأذنيهما وعينيهما عن مصدر الصوت، دقائق معدودة حتى مر العسكر وهم يركضون، شاهري أسلحتهم تماما أمام منزل الحاج علي، فتح أبا فهد عينيه مندهشا!! "ما الذي أحضرني لهذه القرية؟؟!!!" طلب منه الحاج علي الدخول، بينما تقدَّم قليلا لاستطلاع الأمر، تمكّن الفضول من أبا فهد، فذهب خلف الحاج علي، كان هناك رجل يصرخ والدماء تلوث ثوبه!! لم يتحمل العسكر صراخه فتقدموا ليمسكوا به، بسرعة عاد أبا فهد لمنزل الحاج علي، لم يكن قادر على تمالك الرعب الذي سكن قلبه وهو يسمع كل ذلك الصراخ ...

 
 
 
 
 


 
ألتقيكم في الحلقة القادمة ... 

الخميس، 19 فبراير 2015

قصتي : حب في ن السياسة (32)




 
عاد فهد الى البيت، وعيناه تطلقان شررا، بمجرد دخوله صار يصرخ بكل قوته:

- شريفة ... شريفة

تجمدت شريفة في مكانها، وهي تسمع صراخ شقيقها، منذ مدة وهي تعيش هانئة، لا تلتقي عيناها بعينيه، ولا يخاطب لسانها لسانه، فما الذي ذكره بها؟!

خرج والديهما من غرفتهما وهما مذهولين من صراخ فهد، لطالما كان هذا البيت هادئا، والصراخ فيه أمر غير معتاد بتاتا، صاح والده متسائلا:

- ماذا هنالك يا فهد .. هل حصل لك مكروه؟؟؟

- أريد أن تحضر ابنتك هنا!!


استشعر قلب الأم سوءا، وتسارعت نبضات قلبها، كم كانت تخشى يوما كهذا اليوم، بسرعة وقفت الأم عند باب غرفة شريفة، بينما كان يهم باقتحامها عنوة :

- سمِ بسم الله يا ولدي .. واجلس لتخبرنا ما الامر

- ربما تعرفين يا أمي .. فان كنت تعرفين فأقسم بالله انك وابنتك ستدفعين الثمن غاليا .. غاليا جدا

- ألا تخجل يا ولد؟!! أهكذا تخاطب والدتك؟؟!!

تدخل أبو فهد بينهما:

- ما الذي يجري هنا؟؟

- ستعرف يا والدي ... استعد للمفاجأة .. وسأعطيك مسدسي لتشفي غليلك وغليلي

ذهلت أم فهد من كلام ولدها "أي قسوة هذه التي تغلف قلبه؟! أيعقل أنه يدعوا والده لقتل أخته؟؟!"

- اسمعوني جيدا أنتما الاثنان .. لا أعرف لمَ تستشيط يا فهد غضبا هكذا.. لكن لتعلما أني لن أسمح لكما بلمس شعرة من ابنتي .. أيا كان المبرر!

- أماه .. لا زلت ألتمس لك الاعذار .. وأضع عدة احتمالات منها أنك تجهلين حقيقة ما يحصل .. فلا تجعليني أعتقد أن لك يدا في ذلك!!

- اذهب بعيدا يا فهد .. لن تدخل غرفتها


كانت شريفة تسمع ما يدور خلف باب الغرفة، للحظة فكرت بفتح نافذتها للخروج من المنزل، فصوت فهد وهو يعربد ويتوعد أصابها بخوف شديد، لكن وقوف والدتها بوجهه أكسبها الشجاعة لتواجه مصيرها، ولتتحمل مسؤولية قراراتها، لن تترك والدتها وحيدة تحارب من أجلها بينما تولي هي هاربة من جبان كفهد!! مشت شريفة خطوات متجهة لباب غرفتها الذي ابتعدت عنه خائفة حين ناداها شقيقها، أدارت المفتاح وفتحت الباب. كانت والدتها تقف أمام الباب مباشرة، استدارت لتقفله بوجه شريفة، فهي تخشى عليها كثيرا، فمرضها يجعلها أقل تحملا من غيرها للضغوطات، فكيف سيصمد جسدها أمام اعتداء فهد الذي تتوقعه الوالدة كأنها تراه؟؟ بمجرد أن حاولت الأم إقفال الباب مجددا، مد فهد يده نحوها ودفعها لتسقط على جانب، واندفع بقوة نحو أخته، أمسكها من شعرها، وجرها بكل قوة فأسقطها أرضا، وجثى على صدرها، صاح والده من خلفه :

- توقف يا فهد .. ستقتل أختك .. ستقطع النفس عنها

لم يكن فهد على ما يبدو قادرا على الاستماع لشئ، سوى صوت شيطانه الداخلي الذي يحرضه على الانتقام! ينتقم لأن هناك بشرا يرفضون أن يكونوا رهن اشارة يده! ينتقم لأنه ظن نفسه الها يثيب ويعاقب بحسب مبدأ الطاعة، فهو الحق المطلق وما دونه باطل محض. انقضت والدته عليه محاولة ازاحته بعيدا عن أخته، يساعدها في ذلك زوجها، بصعوبة بالغة دفعاه عنها بينما صارت تتنفس بصعوبة، وقد ازرق لونها، بسرعة أحضرت الأم بخاخ ابنتها بينما وضعها والدها في حجره وهو يستشيط غضبا:

- يبدو أنك جننت يا فهد .. ألا تحترم وجودي على الأقل

- وهل احترمته ابنتك أولا؟ هل تعرف أنها تزوجت دون علمك وعلمنا؟؟

صار الأب يحملق بوجه ولده "ماذا يعني فهد بهذه الجملة؟؟ تزوجت دون علمنا؟؟" اتجه ببصره ناحية زوجته، صار يبحث في وجهها عن اجابة، لكن مشاعر أم فهد كان يسيطر عليها القلق على فلذة كبدها، وكأنها لا تسمع الا أنفاس شريفة، ولا ترى الا وجهها، كانت تخاف أن ينقطع النفس عنها فتفقد عزيزتها التي وجدتها مؤخرا فقط. لم تتمكن من حبس دموعها، بينما شريفة تصارع الفضاء، لتسحب منه حاجتها من الهواء، وكأنه يمد لفهد يد المساعدة من أجل القضاء عليها!

- ماذا تعني يا فهد؟

- شريفة متزوجة .. ولو تعلم يا أبت ممن تزوجت!!

- تزوجت؟؟ هل تعرفين بذلك يا أم فهد؟؟

كان أبو فهد يسأل زوجته بانكسار:

- هل يعقل أنها تزوجت دون علمي؟؟! لماذا؟ كنت أنتظر أن أزفها الى زوجها معززة مكرمة، فلماذا تفعل ذلك؟؟

بدأت شريفة تستعيد قوتها، نظرت لوجه والدها المنكسر، فأصابها الوهن مجددا، لمست لحيته وبنفس ضعيف قالت له:

- لم أتزوج وأنا عاقة يا أبت .. لكن

- اذا تزوجت؟؟

رفع أبو فهد رأس شريفة من حجره، ووقف منتصبا وهو ينظر الى زوجته :

- هل فعلت ذلك بعلمك؟؟

- أرجوك يا أبا فهد .. تعال معي للغرفة سأخبرك بكل شئ

- من هذا الذي تآمرتما معه ضدي ؟
 
 


لماذا نقسم الحياة لجبهتين متضادتين دائما؟؟ اما معي أو ضدي؟! لماذا لا نكون معا مهما اختلفنا، على ضفة مثمرة واحدة، نزرع حبا ونثمر حبا، لماذا نعيش الصراع في كل صوره وبمختلف مجالاته، حتى نبلغ مرتقا عظيما، فنتحول من جبهات متضادة الى وجود متضاد، فإما أصرعك لأبقى أو تصرعني لتبقى؟؟

لماذا يعتقد بعض الآباء أن فروض طاعتهم، تعني أن يصاب أبنائهم بالخرس حين يكونون بحضرتهم، لماذا يعتقد بعض الآباء أن فروض طاعتهم تعني أن لا ينشغل الأبناء الا بارضائهم، فيكونون هم مدار الكون وخارطة الطريق في حياة أبنائهم!! ومتى كان الانجاب استعبادا؟؟ وإرضاء الوالدين في كل أمور الحياة مصيرا؟! متى سيعي بعض الآباء أن فهمهم للاحسان الذي فرضه الله مغلوطا؟!


كان فهد واقفا، وهو ينتظر من والده ردة فعل ترضيه، لكن هجومه على اخته، وسقوطها على الأرض متعبة قمع غضب والدهما، فاكتفى بالزمجرة بوجه شريفة وأمها، وهو ما لم يرضي فهد، فاقترب من أخته وأمه، ورفع اصبعه لوجههما:

- غدا نذهب للمحكمة لتوقيع أوراق رفع دعوى طلاق .. كونا جاهزتين!


لم تنبس الأم ببنت شفه، بينما أمسكت شريفة بالحائط واستعانت به للوقوف، التقطت انفاسها بمساعدة بخاخها، ونظرت مباشرة أمامها، بينما والداها واقفان، امها من خلفها ووالدها من خلف فهد!

- أبي ... أنا آسفة لأني أضطررت للزواج دون ابلاغك .. لكن هل لك أن تسألني لماذا؟؟ لأني لم أشعر يوما أنك من الممكن أن تقف معي وتدعمني بقرار أتخذه مقتنعة، لأني أعرف أنك لن تقبل يوما بقرار أتخذه دون رضاك وقبولك .. ولأني أعرف أن هذا القرار بالذات لن تقبل به .. أنا أحبك جدا وأبتغي رضاك لكن لا يعني ذلك أن أُدس حية في مقبرة رغباتكم ..


التفت فهد اتجاه أبيه:

- أبي .. أخبرها أن عليها القدوم معي للمحكمة .. سنجري معاملة طلاقها .. وببساطة اضمن لك أن نحصل على الطلاق .. فالكلب الذي تزوجته سجين مجرم


اقتربت شريفة من شقيقها:

- السجين الذي تتحدث عنه أكثر حرية وطهارة منك .. وهو زوجي الذي أقبل أن أموت دون أن أتركه.. وحين تريد أن تتحدث عنه فيجب أن تقول اسمه "فضل" فقد كرم الله الانسان عن الحيوانات الا أن بيننا من ينبح معتقدا أن الجميع مثله .. مجرد كلاب!!


رفع فهد كفه عاليا، وهوى بها على خد شريفة، لقد فاجأت الصفعة والديهما، فاحتضنت الأم ابنتها، وصارت تبكي وهي تتوجه بالكلام نحو أبا فهد:

- في يوم ما وقفت كهذه الوقفة أمام عائلتي .. لأني أردتك زوجا .. فلم يصفعني أحد ولم ينعتك أحد ولم يهينني أو يهينك أحد .. لكنك سلبتني من عائلتي رغم احسانهم لك .. وارتضيت لنفسك أن تمتلكني كشئ اشتريته وصارمن حقك أن تتصرف فيه كما تشاء .. اليوم تقف ابنتك ذات الموقف لكنها تصفع أمامك وتجبر على التخلي عن زوجها برضاك؟؟ ما لك كيف تحكم يا أبا فهد!!!


التزم أبو فهد الصمت، وترك دور البطولة لولده كي يلعبه، مكتفيا بالنظر بعيدا عن زوجته وابنته، كان قلبه يمتلئ غضبا، وكلمات زوجته التي أشعرته بشئ من الخجل لم تكن كافية ليبادر لاحتضان عائلته، وكف الأذى عنها. فهد قرأ خجل والده المتواضع، وخشي أن يكبر ليتحول لردة فعل في صالح شريفة، فصار يحرض أبوه:

- المصيبة يا أبت أن من اختارته زوجا ليس سوى ارهابيا وفارا من العدالة، كانت أختك تأويه، كيف يا أمي تقارنين والدي بهذا المجرم؟؟! للمرة الأخيرة يا شريفة .. تعالي معي الآن لاجراء معاملة دعوى الطلاق ..

- أقبل أن يكون فضل أرملا على أن أتخلى عنه ...


دفع فهد والدته مرة أخرى، وجر أخته من شعرها، بينما لم يتخذ الوالد أي ردة فعل:

- لن يكون لك مكان بيننا ان لم تأتي معي ...

- ما قولك يا والدي؟؟ أليس لي مكان معكم؟؟

- ما قولك أنتِ فيما يطلبه شقيقكِ ؟

- أخبرتكم أني أقبل القتل على أن أترك زوجي ..

- اذا لا مكان لك بيننا ... لست ابنتي ولا اعرفك


تحادرت الدموع من عيني شريفة، تماما كما كانت تتوقع، لا يمكن لوالدها أن يكون أفضل من فهد، انه النسخة الأصلية من ابنه!! لكن يبقى هذا الرجل القاسي والدها، والدها الذي تنتظر أن تعيش تحت حمايته مهما أساءت فضلا عن أنها لم تسئ أصلا!! أمسكت شريفة بيد والدتها، قبلتها بين عينيها، واستأذنت منها :

- أنا ذاهبة ماما .. وسأكون على تواصل معك

قاطع الأب ابنته:

- لا تتصلي بأمك .. ولا تدمري حياتها كما تدمرين حياتك ..

نظرت أم فهد ناحية زوجها:

- حتى ابنتي يا أبا فهد؟؟

- لم تعد كذلك

- اذا خرجت شريفة من هذا الباب .. فسأخرج معها .. لن أترك ابنتي وحيدة

- لا تخربي بيتك بيديك يا أم فهد

- أي بيت يا أبا فهد؟؟


تركت شريفة يد والدتها، وهي تنهاها عن مرافقتها:

- لا يا أمي .. ابقي معززة مكرمة في منزلك .. سأطمئنك علي .. منزل خالي مفتوح لي .. وأعتقد أن منزل زوجي يتسع لي أيضا

- جاء اليوم الذي أسترجع فيه نفسي .. لا تحرمي أمك ذلك يا حبيبتي ...

 
 
 
 
 
 
 
دخلت السيدتان لغرفتهما، وصارتا تجمعان ملابسهما، كانت أم فهد تعتقد أن مثل هذا اليوم ما كان يمكن أن يأتي، يوم يطردها فيه أبو فهد من بيتها وان لم يكن بصريح العبارة! ندمت أم فهد يوما لأنها تركت أهلها، وندمت اليوم أكثر لأنها كانت تعتقد أن الاستعباد طاعه! وأنها كانت ستحصل على السعادة عبر اسعاد زوجها وان باطلا!! لقد قاطعت والدتها التي وقفت معها وساندتها وزينت منزلها الزوجي ليستقبلها!! من أجل زوج منعها عنها ومنذ شهور زواجهما الأولى!!

شريفة كانت أفضل حالا من والدتها، فخروجها من هذا البيت يعني أنها حصلت على حريتها، وانتصرت لارادتها، لم ترغب بمغادرته بالطريقة التي تمت، كانت تتوق لتخرج منه عروس بيد والدها، يزفها لانسان ارتضت دينه وخلقه! لكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه .. يكفيها أنها صارت زوجة لفضل وتحيطها السعادة أن والدتها لا زالت الى جانبها، موقف والدتها كان الأمر الوحيد الذي أخطأت في توقعه، كانت تظن أنها مسلوبة الارادة تماما الا أن مشاعر الأمومة حقا ... تصنع المعجزات!


خرجت السيدتان من البيت، ويداهما متشابكتان، في القلب غصة ألم وفي العين لمعة فخر، كانت كلاهما تشعران بالامتنان تجاه الأخرى، كانتا بالداخل أم وابنتها، لكن حين خرجتا كانتا صنوان، هما متشابهتان جدا، انسان تحرر من ضعف الباطل بقوة الحق.


استقبل منزل الحاج علي السيدتان برحابة صدر، فصارتا وكأنهما ملكتين في سلطانهما، تحيطهما الفتيات بمزاحهن وأحاديثهن، وتشركهما أم البنات في بيتها تبتغي من ذلك رضا الله وسعادة زوجها، فهل جزاء الاحسان الا الاحسان؟ اقترح الحاج علي أن يستدعي أبا فهد، ويحاول محاورته لعل النفوس تهدأ، لم ترفض اخته ذلك، فهي لا تعرف غير هذا الانسان شريكا لحياتها، لقد اعتادته واعتادها، وتدرك أن الكمال وحده لله. كانت تأمل بخروجها أن يستقيم اعوجاج كان قد حصل في زواجها، أما شريفة فلا تملك أن ترفض ذلك، أيعقل أن تلفظ فتاة ما حب والدها مهما قسى عليها؟ أو حتى قست عليه؟!! انهما تحتاجان من أبي فهد أن يحترم ارادتهما فحسب!


لم ينس فهد فضل، ولم تهدأ نفسه بعد، بل أثار موقف شريفة ووالدته حنقا شديدا بداخله تجاه فضل، لقد استغرب كثيرا من موقف أخته! "كيف يمكن لامرأة أن تتعلق بغريب كما فعلت شريفة؟؟ وكيف لفضل أن يقبل الموت من أجل فتاة تزوجها للتو؟!!" لا يمكن لانسان مثل فهد أن يعي معنى تلاقي الأرواح، لا يمكن له أن يفهم قيم الايثار، والوفاء بالعهود، ورفض خذلان الانسان لانسان. لم يكن الأمر متعلقا بقصة حب يعيشها هذان الشابان لتنتهي يوما! انها قصة الانسانية في أجمل صورها، حين يؤمن الانسان بحق الانسان عليه، كانت شريفة تجد أن من حق فضل أن تقف معه وتآزره وترسم البسمة على شفتيه بينما يغيب خلف قضبان الظلم المريرة ليشعر أنه ليس وحيدا، وان بعد الله ثمة من يشعر به ويهتم له ويشاركه ألمه.

كان فضل يؤمن أن من حق شريفة عليه، أن يحفظ عهدها وودها، وأن يحميها من بطش أقرب الناس لها، كان يجد أن من حق الزوجة على زوجها أن لا يسلمها، ولا يخذلها مراعيا فيها عهدا لم يقطعه لها فحسب، بل قطعه أمام الله بأن هذه السيدة زوجته التي صارت في عهدته لن تكون الا معززة مكرمة، كما يريد الله للانسان.


عاش أبا فهد أياما صعبة دون زوجته، فجأة وبعد أكثر من ثلاثين عاما وجد نفسه وحيدا. كم كان يشعر بصعوبة الدخول لمنزل مهجور!! كانت وسادته يوما ما مخدع الحكايا والضحكات، فاستحالت وعاء ً للدموع والحسرات! "ما الذي يجبرك على هجر زوجتك؟؟ وما الذنب الذي اقترفته حتى تستحق قسوتك؟ لقد سايرت رغباتك كثيرا حتى انفض عنها الجمع ولم تعد تملك سلوة في الحياة سواك، بعد أن منعت عنها غيث الأهل والخلان" يدرك أبا فهد تماما أنه لا يقوى على الحياة دون شريكة عمره! انها أم عياله التي صبرت عليه، انها المرأة التي حاربت الدنيا لتكون معه، انها الفتاة التي شغف بها حبا يوما فما خذلته ولا تركته! أكثر من مرة يرفع أبا فهد سماعة الهاتف ليتصل بزوجته، فتأخذه العزة بالاثم!! في احدى المرات طلب من فهد أن يتصل بوالدته ليسألها عن احوالها، لكن فهد رفض ذلك تماما، بل واتهم أباه بالضعف والوهن!! ومتى كانت الرحمة ضعفا؟!


استيقظ الحاج علي هذا الصباح، وهو يستعد لأمر ما يدفنه في قلبه، جلس لتناول وجبة الفطور مع الفتيات، ليس بينهم رجل الا هو ومنتظر، هكذا داعب الحاج علي اسرته الجميلة، ثم استأذن منهم تاركا بقلب كل واحدة منهن بسمة سعادة وجرعة أمل. في طريق ذهابه لقضاء ذلك الأمر، رفع سماعة هاتفه وأدار رقم زوج اخته، منذ عقود لم يتحدث الحاج علي مع هذا الجار، الذي تزوجته أخته ليسلبها منهم!

- السلام عليكم ورحمة الله .. مرحبا بك أبا فهد .. معك الحاج علي .. أتصل بك لتسوية الأمور .. بينكما عشرة عمر وبرأيي أنها تستحق الوقوف عندها طويلا ورعايتها .. ان كان يهمك الأمر فأنتظرك الليلة في منزلي .. بتمام الثامنة .. في أمان الله


يؤمن الحاج علي، أن على الجميع أن يتخذوا قرارتهم بكل قناعة وحرية، وان دوره يكون بوضع الأمور ضمن نصابها الذي يراه، ووفق الحدود التي يرسمها الله، فان كانت ضمن تلك الحدود فليختر كل امرء ما يشاء متحملا عواقب خياراته، ومسؤوليات قراراته، هكذا تصرف حيت جاءته أخته تريد الزواج من جارهم، وهكذا تصرف اليوم حين جاءته اخته هاربة من قسوة ذات الجار، لقد رمى الكرة في ملعبه وكيفما شاء صوبها.
 
 
 
 
ألتقيكم في الحلقة القادمة ...

قف.. فكر.. قرر بوعي

  نسمع كثيرا عن مفردة (الوعي) ونُدعى كثيرا لأن نكون (واعين) بل وحتى في أحاديثنا المعتادة نطالب أن يكون الآخر مالكا-لوعايته الكاملة (تعبير دا...