ابحث في مدونتي

الجمعة، 9 يناير 2015

قصتي : حب في نون السياسة (3)

 
 
 
ضحكت شريفة بملئ شدقيها, (كم كنتُ غبية, لمَ لم اكتب اسمه في جهاز المركز لكنت وصلت اليه حتما)!!
لقاء من غير ميعاد، صِدفة جميلة جعلتها تبتسم منذ أكثر من ثلاثة أشهر, أخيرا ستتوقف رحلة البحث الطويلة, أخيرا علمت أنه بخير أو ربما ..لا زال بخير!!! بمجرد عودتها للمنزل دخلت شريفة لموقع التغريد, اختارت مساحة البحث, سجلت اسمه, ثم انتظرت بكل شوق ..
اسمه أمامها مباشرة, ترى ماذا تفعل الآن؟ كيف تبدأ الحديث معه؟! ماذا تخبره؟ وكيف سيرد عليها, كيف سيستقبل قلقها؟ بل هل سيأمن التعامل معها لو عرف انها ...... , ليست مثله بل لربما (أنا العدو!!), سيطر القلق على شريفة، ماذا لو استخدم والدي أو شقيقي فهد جهازي؟؟ أغلقت الجهاز المحمول وفتحت الموقع مجددا, لكن عن طريق هاتفها, لربما كان الخوف أقل إن كان من هاتفها, كتبت اسمه مجددا, ثم مجددا أيضا, بقيت ساهمة أمام اسمه, ترى كيف سيتلقاها وهي تنتمي لمن يلاحق ويقتل ويعتقل أبناء جلدته!! شعرت شريفة بحزن شديد لم تتمكن من التماسك معه, أجهشت بالبكاء (تبا لعقول كعقل والدي يجيد الخصم توظيف أحقادهم لمصلحته), (لمَ يا أمي أبعدتني عن عالمك؟ لمَ استأصلتني من تربة أحبتك الذين لطالما سعوا اليكِ)؟
شريفة التي لطالما أعيى جسدها المرض, اليوم ترزح تحت وجع جديد, لا يعلم به سوى الله, أقفلت هاتفها وقذفت بنفسها على سريرها,كرهت الزاد وانقطعت عن الأهل والأصحاب, لا يكسر حزنها سوى صوت خالها علي, الذي صار يتواصل معها بأريحية اكثر مؤخرا, لم تتمكن شريفة من التغلب على خوفها من ردة فعل "فضل" لو تواصلت معه, لكنها وجدت أنّ ألمها لن ينتهي ما لم تقتحمه, فإما يمر الأمر بسلام, وإلا فلتواجه الحقيقة المرة.
هذه المرة كتبت اسمه وإختارت أيقونة الرسائل الخاصة, وبدأت تسطر نزف قلبها :
(السلام عليكم ..
بالصدفة وجدت صورتك على مواقع التواصل, وقد طلبوا معرفة اسمك وعنوانك, خشيت عليك كثيرا وكنت أتمنى أن أطمئن عليك, والحمد الله أن مكنني من ذلك
 اختك شريفة)
كانت شريفة تظن أنها ستتلقى ردا بعد ساعة, بعد يوم أو أسبوع, لكن الرد تأخّر كثيرا, ألف فكرة اقتحمت رأس شريفة, يبدو أنه أدرك من أي عائلة أنا, وفضّل طبعا أن يقاطعني, معذور أنت يا فضل, كيف سيشفع لي خال واحد تعرفه أمام والد وأشقاء غلاظ عليكم !!
لم تعد شريفة تفتح صفحتها كل ساعة كما السابق, لكنها لم تستطع قتل الأمل بروحها, فكانت تفتح صفحتها كل ليلة, تطلّع على الأخبار ثم تأمل أن تعثر على بضع كلمات من فضل, هذه الليلة لم يخب املها :
(أهلا أخت شريفة..
أشكر ألطافك كثيرا, الحمدلله أني ما زلت بخير, لكني بحاجة ماسة للدعاء, فلا تبخلي على أخيك بدعوة في ظهر غيب ..
كوني بخير اخية)
زفرت شريفة زفرة لطالما انتظرتها, أاسعدها كثيرا رد فضل لكنها لم تكتف بعد, يكاد الفضول تجاهه يقتلها, كما أنّ خوفها من ذويها يقيد يديها, لكن فضولها على ما يبدو, صار يتفوق على خوفها, صارت شريفة في كل يوم تراسل فضل المتمنع, وتقرأ كل هواجسه وأوجاعه وإصراره وقوته, عبر حسابه بموقع التغريد, انسان لا يكل ولا يمل, تشعر أحيانا أنها لا تفهمه, فصارت تسأله وتسأله وتسأله, وهو يجيبها متحمسا لكنه ذات مرة أوقفها :
- كيف لإبنة أخت المعارض المخضرم علي, أن تسأل هذه الاسئلة, كل بناتنا إقتحمن السياسة, إنها حرب وجود أخيتي, كيف لك أن تبقي بعيدة هكذا؟؟
 تذرعت شريفة بوالديها اللذين لا يسمحان لها بالخروج, أو المشاركة أو الاختلاط بعالم السياسة لكونها مريضة, ولأنهم يخشون من العسكر, كان "فضل" متحفظ جدا لا يعطيها أية معلومات شخصية عنه, وكانت هي رغم فضولها الذي يقتلها سعيدة بتحفظه, فهي لا تأمن على سرية هاتفها , ولطالما تخلصت من محادثاتها معه خوفا عليها وعليه, فشريفة لن تنس أبدا كيف انتزع شقيقها فهد شعرها, حين اكتشف أنها على اتصال مع خالها علي وبناته اللاتي زادت أواصر القربى والصداقة بينهما حين حاولت اتمام دراستها الجامعية, هذا وتواصلها معهم كان قبل هذه السنة الأليمة فكيف اليوم!!
انتظرت شريفة كعادتها ردود أسئلة وحوار أرسلته لفضل, إلا أنّ الرد تأخر كثيرا, فضل لم يعد يغرد، ولم يعد يرد على رسائلها,عادت شريفة لرحلة البحث المريرة, بين أسماء القتلى والمعتقلين ولا جدوى, شهر كامل وفضل مختف تماما, لا أثر له حتى أن بعض المغردين صاروا يتساءلون عن إختفاء اسمه بعالمهم, ثم وجدت منه رسالة:
( السلام عليكم..
أعتذر لعدم التواصل معك أخيتي, لكن المطاردة إشتدت, وصاروا يداهمون منزلنا في اليوم الواحد مرات عدة, لن أتمكن من التواصل معك لأني لا أملك مكانا يؤويني, ولا أستطيع استخدام الهاتف بشكل متواصل)
 حزنت شريفة كثيرا وقد سألته عن سبيل لمساعدته لكن كعادته اكتفى بطلب الدعاء, عادت شريفة لحزنها ومرضها وسرير وجعها بالمستشفى هناك, حيث ترى العسكر بكل مكان يبتسمون بوجهها ويبصقون بوجه الاخرين!!! أعياها كثيرا ذلك الحزن, كانت تعرف أنها لن تتمكن من كتمان وجعها أكثر, لكن تراها لمن تبوح؟ وما عساها تقول؟ وعن ماذا تفصح؟ هي أيضا لا تعرف مالذي يحصل لها؟ ترى لم تشعر بكل هذا الحزن؟ فضل مثل آلاف البحارنة يطارد وربما يعتقل, أو حتى يقتل علام حزنك يا فتاة؟! بماذا يتميز هذا الشاب؟ ولم تخشين عليه؟ أهو مجرد تعاطف لوجع عاينته بأم عينيك, أم أن الأمر قد تجاوز ذلك كثيرا!! .. انها الانسانية حين تكون قلبا نابضا بجسد الانسان..
نفضت الأفكار من عقلها حين دخل طبيبها الجديد عليها, فطبيبها السابق موقوف عن العمل!!! طلبت منه الرخصة فقد ملت المبيت بالمشفى, أخبرها أن خروجها سيكون على مسؤوليتها, وافقت واتصلت بأهلها ليتسلموها لكنها كانت تضمر بنفسها أمرا.
بعد أيام إدعت شريفة أن مدة  إجازتها انقضت, وبأنها ذاهبة للعمل, إستقلت سيارتها وسارت بإتجاه منزل خالها الذي لا تعرف موقعه بالتحديد سوى انه في القرية ..... , بمجرد دخولها قرية خالها التي زارتها عدة مرات حين كانت تدرس مع بناته في الجامعة, اتصلت لاحدى بناته التي جاءتها مستبشرة قلقة, وقادتها للمنزل.
 بمجرد أن احتضنت خالها وبناته أجهشت شريفة بالبكاء, وصارت تعتذر عن كل الإهانات التي سمعتها تقال للناس في الطرقات ونقاط التفتيش والعمل والمستشفى كان خالها يبتسم:
- أنت منا يا شريفة إياك أن تستثني نفسك منا كما فعلت والدتك سامحها الله.
سعدت شريفة كثيرا بحديث خالها, ثم دخلت لغرفة أقرب بناته لقلبها (زهراء), وهناك كشفت عن حيرتها وألمها, أشفقت زهراء كثيرا على شريفة وفضل لكن ظلال القلق خيمت عليها:
- شريفة إياك أن يقع اسم الشاب على مسامع  شقيقك أو والدك.
-لا تخشي ذلك
- أتراك أحببت الشاب يإبنة عمتي؟
 دق قلب شريفة كالطبول:
-عن أي حب تتحدثين؟ وهل لمثل هؤلاء المساكين حب؟ إنه لا ينفك عن الحديث عن واجبه وجهاده ونضاله, ان كان هناك من حب, فهو حب فضل لبلده!
- لا أدري يا إبنة عمتي, حديثك وقلقك ولمعة عيناك تحدثني أنك تكنين للشاب مشاعر, شريفة إياك وذلك وإلا فستتألمين أضعاف ألمك اليوم, ورغم أني أتفهم اهتمامك فنحن نعيشه هنا في قريتنا, الا اني أجد من المهم أن أنبهك, فاعذريني حبيبتي.
 
 أجهشت شريفة بالبكاء, وألقت برأسها في حضن زهراء:
-لا أدري كيف من الممكن أن أساعده
كانت شريفة تشعر بالمسؤولية تجاه ما يعانيه أبناء جلدتها, وكانت قيود العجز تحكم الخناق عليها, حين تنبض الانسانية في جسد الانسان فلا يمكن إلا أن توجه روحه نحو العطاء.
لمعت بذهن زهراء فكرة فهمست لشريفة:
- دعيني أتواصل معه من خلالك لربما تمكنا من مساعدته.
 
ألتقيكم في الحلقة المقبلة ...

الخميس، 8 يناير 2015

قصتي : حب في نون السياسة (2)





توجهت شريفة مرة أخرى ناحية مبنى الطوارئ، وأثناء مشيها نحوه كانت اندفاعة قوية قد قدمت من الخارج أرعبتها، جمع من الشباب يصرخون طالبين الإفساح عن الطريق، وجمع من النساء زاد عويلهن، مر أمامها شاب في مقتبل العمر ممدد على سرير أحمر!  بل أبيض إستحال لأحمر من نزف الدماء! .. لقد تهتك جسده تهتكا، نظرت إليه والدماء تسيل من كل مكان من جسده، بقت واجمة .. ساهمة .. تنزل الدموع من عينيها دون إدراك، توجهت لتلك الغرفة وبقيت واقفة، تشهد بأم عينيها دخول المختنقين والمذعورين، والمصابين بآلات حادة، والمجروحين بالرصاص، بل والقتلى، جرحى من النساء والأطفال والشيب والشباب، طافت بذاكرتها أخبار فلسطين وكأن غزة نُقلت سريعا كعرش بلقيس من هناك الى هنا! !

استمرت بالوقوف هناك، ترقب الوضع بقلب يأن وجعا، وبعين لم تتمكن من التوقف عن البكاء، من بعيد لمحها طبيبها المعالج، توجه ناحيتها وهو يرتدي القفازات والقناع، ورداءا شفاف فوق بدلته: 

- شريفة .. ما الذي يوقفك هنا؟
نظرت إليه وبعينين دامعتين اجابت :
- ارقب أبناء وطني

أشفق عليها كثيرا، طلب منها التوجه لسريرها :
- لا بأس عليك، اذهبي لتستريحي، أنت في وضع يرثى له، ونحن كذلك، اذهبي كان الله في عوننا جميعا ..

منذ أن جاء هذا الطبيب الشاب لمباشرة علاجها، لم تلقاه إلا ووجهه باسم، تلك كانت المرة الأولى التي تراه فيها بهذا الذهول والحزن، حتى مشيته وهو مبتعدا، لم تكن مشيته وكأن الحزن أثقل حتى ركبتيه، فإنحنى ظهره مكتسبا فوق عمره سنوات ..

ذهبت شريفة لسريرها، ألقت جسدها النحيل عليه، واستسلمت لنوبة بكاءها المائة، ربما، م تعد تدري، فدموعها لم تعد ملكا لها، بل ملكتها تلك الجراحات التي أصابت قلبها وروحها وانسانيتها، ملكها أولئك الشبان الذين جاءوا يحملون على أكتافهم أخوة لهم، في أحيان كثيرة لم يكونوا يعلمون ما اسماءهم حتى... ثم لم تعد تشعر بشئ ..

عادت شريفة لواقعها، مسحت دمعة أبت الا أن تنزل على خديها، ونفضت عنها تلك الذكريات المؤلمة، ووقفت باسمة، تنظر للمنصة التي اعتلتها فتيات صغيرات ينشدن شعرا، كم تعشق هذه الأصوات والضحكات والخجل البرئ، اتسعت حدقاتها وانكشفت اسنانها من فرط التبسم وهي تنظر لهن، ثم فجأة .. كان هو أمامها مباشرة ..:
- تفضلي أخيتي
نظرت لما بين يديه، كان يوزع الماء، تبسمت له وشكرته، ثم كعادته ذهب مبتعدا تملأه الحماسة والحيوية. 


مرت الشهور والأيام حيث استحال الحال غير الحال، شريفة وبكل خوف ترقب اخبار الوطن، بين محطات الفضائيات أو عبر الصفحات الالكترونية، تخبأ عن أهلها وجعا لا تعرف اسمه (شاب ،، او تراه وطن)!

بينما كانت شريفة، تقلب احدى الصفحات الالكترونية، لاحظت صورة من أرادت وقد أُحيطت بدائرة حمراء كتب عليها: هذا الارهابي مطلوب لرجال الأمن، فقط اكتب اسمه /عنوانه/ واترك الباقي عليهم! وأسفل الصورة كان هناك متبرعا كتب في رده على الطلب :هذا زميلي السابق بالجامعة فضل حسين جابر! !

أُسقط بيدها! !

فجأة هوى قلب شريفة وبدأت نبضات قلبها بالتسارع، عن أي إرهابي يتحدثون؟كنت أرى ذلك الشاب الوادع يوزع إبتسامات وماء، أتحول توزيع الابتسامة بعد عهد رسول الله من صدقة لإرهاب!!!
ترى كيف تعرف اخباره؟هل صار في زنازينهم؟هل أصابته رصاصاتهم؟كيف من الممكن أن تصل اليه، ومنزل العائلة الهادئ صار مجلسا للتهكم والسب والشتم لمن تجرأ وزار تلك البقعة، حتى هي وشقيق والدتها ذلك الستيني الذي إعتاد على مقارعة الظلم منذ نعومة أظفاره، فقرر والدها مذ وعت على وجه الدنيا أنّ على والدتها ترك شقيقها، وعليهم جميعا مقاطعته بل مقاطعة كل أفراد عائلة أمها. 

كيف السبيل لخالها الآن؟في السابق كانت تخرج دون علمهم، تسرق ساعات من عمرها بذلك المكان تحت رعاية خالها، تستمع للخطب والشعارات، تعيش بين عفوية الناس، هناك رأت عالما مختلفا جدا، ليس كما كان يقال لها مطلقا، ليس كما اعتقدت يوما!! (كيف السبيل لك خالي؟كيف السبيل لك (فضل)..)

ايام طوال قضتها تلك الشابة وهي تتصفح صفحات التواصل الاجتماعي، تفتش بين أسماء القتلى والمعتقلين، دون أن تجد خيطا واحد صغيرا يريح انشغال بالها، وفي لحظة نفاذ صبر، قررت شريفة أن تلجأ لخالها، خالها الذي أنجبه ذلك العالم، فما انفصل عنه قط، خالها الذي قضى سني عمره إما مهجّرا أو معتقلا، خالها الرجل الوحيد الذي أجاب عن كل أسئلتها، برحابة صدر وابتسامة، حيث ورغم كل الوجع لم تسمعه يشتم مخالفا معه قط، لم تسمعه يسئ لوالدها أو عائلته أو سيرته، بينما أوغل والدها قلوب الأسرة كلها ضد أخوالها، وقريتهم وسيرتهم وانتمائهم! كان خالها يخبرها وبعينيه لمعة فخر، أنه تربية المآتم التي تخلت عنها والدتها خوفا وحرصا على أبيها!

هي تدرك أن خالها الوحيد، الذي يمكنه مساعدتها، لكنها تخشى في قرارة نفسها أن تتواصل معه، تخشى على نفسها، وتخشى عليه أكثر، فهو مهدد أصلا بالاعتقال كل حين. 

بقيت شريفة في حيرتها طويلا، حتى قررت أخيرا، أنّ كل ما عاشته في الأيام الماضية، يستحق أن تجازف، أدارت رقم خالها فجاءها صوته :
-مرحبا
-خالي علي ،،، كيف حالك؟ابنة اختك ستموت قلقا عليك
-اهلا عزيزتي ،، انا بخير ،، ألم نتفق أن تتوقفي عن التواصل معي حتى تهدأ الأمور ،،هل حدث لك مكروه؟
-أنا بألف خير، فقط ادعوا لك بالسلامة لكن ،،،
-لكن ماذا يا شريفة؟افصحي يا ابنتي
-خالي أود أن اسألك عن أحد ما وأرجوا أن تتفهمني
-بالطبع عزيزتي
أخفضت صوتها وهمست، بالكاد التقط خالها قولها:
-شاب لطالما رأيته في الميدان، وجدت صورته منشورة، ويطلبون معرفته لاعتقاله، اسمه فضل حسين جابر ..
أجابها بمزحة وأسى: 
-كل الشباب والشابات نشرت صورهم وأسماءهم ياابنتي، إسأليني عن اسم لم ينشر وقد اجيب! 
-كيف نتأكد من سلامته؟
بأسى أكبر وبغصة قلب أجابها:
-ابحثي عن اسمه بين الشهداء والمعتقلين، فإن لم تجديه، فابتهلي لله أن يكون بخير وأمان. 

اغلقت شريفة هاتفها وقد أُثقل صدرها أكثر، أملها الوحيد بعد الله كان خالها علي، لكنه لا يعرف الشاب !!

في اليوم التالي وكعادتها ركبت شريفة سيارتها، متجهة للمركز الصحي الذي تعمل فيه ككاتبة، مرت على عدد من نقاط التفتيش التي كانت تتجاوزها ببساطة، بينما يتكدس عندها جمع من السيارات يخضعون لتفتيش دقيق، ولطالما شهد سمعها سيل من الشتائم، حين تتقاذف على بعض المارة، عبارات طائفية مقيتة، تعدٍ على حرمة الدين والإنسان، واهانة للكرامة الانسانية مع كل مدة يد لرجل أمن بإتجاه خد سائق، غير آبهين بالاطفال الذين يرقبون صفعات وجه أبيهم!  كانت تتساءل، هل تراها انسانة محظوظة لأنها في مأمن من ذلك كله، أم تراها الأتعس، فقد مُيّزت عن أبناء وطنها دون أن تستحق ذلك!!

بروتين كئيب جلست شريفة على مكتبها، ترد على بعض المكالمات، أو تسجل بعض المواعيد، وأحيانا تضطر للابتسام بوجه العسكر، الذين صاروا يترددون على المركز الصحي بعد حصاره بذات نهار، واقتياد جمع من موظفيه بل وضرب أطباء محترمين تكن لهم كل تقدير واحترام، وتقييدهم رجالا ونساء، ثم إخفاءهم أياما، ولا يجرأ أحدا عن السؤال عنهم، او منع نا يجري عليهم. وبينما كانت ساهمة تفكر، أطل عليها من فتحة الزجاج وجه لطالما إنتظرت طلته ...

فضل!!!

كادت تتراقص فرحا حين وجدته أمامها بكامل سلامته، بسرعة وترقب دفع بطاقته الشخصية لها، طالبا أن تدخله على وجه السرعة لعيادة الاسنان، أخذت بطاقته وسجلت رقمه السكاني :
-جاسم حسين جابر؟ سألته بدهشه! 
فهز رأسه بإيجاب يملأه التوتر، رفعت بصرها اتجاهه: 
-ألست فضل؟
ارتفعت وتيرة توتره، لم يجبها لكن تقاسيم الخوف التي اعتلت وجهه أجابت عن سؤالها: 
-هل تذكرني؟ كنت دائما هناك مع خالي علي ال..... 
 
خشيت أن تكمل اسم خالها، لكن تقاسيم فضل هدأت قليلا ثم تبسم واجابها: 
- أظنني أذكرك
-هل يمكنني محادثتك في وقت لاحق؟
-لا أستخدم الهاتف
- بأي وسيلة
أخذ القلم وسجل اسمه الذي يستخدمه في عالم التغريد، ثم ذهب مسرعا ..


يتبع في الحلقة القادمة

الثلاثاء، 6 يناير 2015

قصتي : حب في نون السياسة (1)

 
هي قصة كتبتها من رحم الثورة، بدأتها في العام 2011 ولم أتمكن من الاستمرار في كتابتها الا اليوم، شخصياتها من الخيال، لكن أوجاعها واقع محض عشته وعشتموه ولا زلنا نعيشه، أحداثها حقيقة مزجتها بخيال لأخرج منها بقصتي، قصتكم، قصة هذا الوطن المثقل بالجراحات والذي أثق أنه لا زال يحتضن الكثير من الحب ..
 
 
المقطع الأول :





كان يسير وسط الحشود، يتنقل من زاوية لأخرى، من خيمة لأخرى، يداعب هذا الشيخ ويمسح على رأس ذلك الصغير، ينحني ليلتقط شيئا أسقطته تلك الفتاة، يتلقف نهاية حوار جمّع من الشباب لينخرط فيه. 
هناك لم يكن أحد غريب، فكل الوجوه الغريبة باتت مألوفة، كل الأصوات تألفها كل الآذان، كل الحناجر باتت معشوقةً من كل الأفراد، جوّ من الألفة والأخوّة كان يسود ذلك المكان، حيث كانت عيناها ترقبه، كل يوم تبحث عنه. 

نصبت خيمتها على زاوية رصيف، مقابل تلك الدائرة الكبيرة الملئ بالخيام، وأمام نخلة رقم خمسة وجدت نفسها تهفو كل يوم لتلتقي ذلك الشاب، بعينين شغوفتين وبقلب نابض، بدقات قلب تتراقص فرحا كلما أقبل، وبتوتر كلما أدبر، حتى الآن هي لا تعرف له اسما، كل ما تعرفه رسم جسد ووجه، ورسم شفاه وابتسامة، ورسم شخص ملائكي عشق لبس ذلك الرداء الأبيض، الذي كُتب عليه “ علمي كفني .. بدمي أفدي وطني"!

إعتادت"شريفة"أن تزور تلك البقعة، منذ أن رأت بأم عينيها سقوط أبناء وطنها صرعى غارقين بدمائهم يومذاك، إذ كانت كعادتها مقيمة في مستشفى البلد المركزي، نتيجة إصابتها بمرض منذ طفولتها، وكانت كعادتها أيضا وفي ساعات الفجر الأولى تنزل برفقة مغذيها لمصلى المستشفى، لتؤدي فريضة الفجر هناك، بعيدا عن سريرها الذي باتت تكره رائحته ولونه، حيث تلتقي الباري وترقب جمع من النسوة بعضهن قلقات على أبناء لهن في غرف العمليات، وأخر مستبشرات بلقاء أول حفيد، فتضحك مع تلك وتأخذها الأحاديث مع هذه، حتى تعود مرة أخرى لسريرها الذي اعتادها واعتادته. 

إلا ذلك الفجر، فقد كان كئيبا مريرا يحكي تفاصيل أوجاع الناس بالدم، نزلت تبحث عن مصلاها إلا أن أصوات الركض والصراخ والعويل أجبرتها على أن تطل برأسها للخارج، إسعافات ومراسلين وكاميرات وأطباء مذهولين وأهل أعياهم البكاء، حالة غريبة لم تعشها ذات الأربع والعشرين ربيعا قط، نسيت أنها جاءت قاصدة المصلى وقذفت بجسدها النحيل لخارج المستشفى، وقفت وسط الحشود الزاحفة تبحث في عيونهم عما جرى، تلتقط من شفاههم الكلمات علها تستطيع جمعها، لتدرك سر تلكم الأوجاع التي تناثرت على أرضية المكان، لكن لا جدوى، فالذهول يسيطر على الجميع. 
دفعت بمغذيها أمامها وسارت بخطى قلقه لداخل مبنى الطوارئ، لم يكن الوضع يختلف كثيرا إلا بمزيد من الدماء، وقفت أمام غرفة الإنعاش في حجرة الانتظار, كانت هناك مجموعة فتيات وأمهات أعياهن الترقب، إحداهن تتحدث عن بنت أختها ذات الأربعة أعوام والتي أُدخلت مختنقة إلى المستشفى، وأخرى غالبتها دموعها وهي تتحدث عن أخيها الذي حُمل على الأكتاف دون أن تعرف ما إصابته، وأخرى تتحدث عن ابنها ذا الثامنة عشر ربيعا والذي اخترقته عدة شظيات، وفتيات جئن مذهولات من موقع الحدث، قلقات على كل الاجساد والارواح، باكيات على تلك الدماء الساكبات. 
كانت مذهولة في عينيها ألف علامة استفهام فشقت حديثهن جميعا بسؤال : من فعل كل ذلك؟!

تفاجأت النسوة، اعتقدن أن الجميع يعرف تفاصيل هذا اليوم، لكن يبدو أن هناك من لم يستوعب تفاصيل هذا الفجر القاسي، نظرت إليها أحدى الفتيات وكانت تقربها سناً، سألتها: أنت ترقدين هنا؟ هزت رأسها بالإيجاب، (إذا لا تدركين ما الذي يجري في الخارج؟)، حركت رأسها نافية اذ لم تكن تقوى على الكلام،  ولم تكن تملك الا البكاء، فتحت فمها :
أنا ..........
لكن فجأة علت الصرخات أمامها، واندفعت كل النسوة لخارج الغرفة، حتى أن بعض الممرضين والممرضات انهاروا على الأرض باكيين، صرخات وعويل وبكاء ودعاء لم يكن بالأحرف بل بلهبات قلوب تحترق .. !

اقتحم أذنها حديث:
- كم؟؟
- يقال إنهم 3 والرابع في الطريق
صرخت امرأة طاعنة في السن ::
- السلام عليك يا سيدتي زينب، من صبرك القي علينا صبرا، حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى الخيام سيدتي حرقوها ...!!

فجأة انتبهت شريفة لساعة الحائط المعلقة، ستشرق الشمس قريبا وهي لم تؤدي فريضة الفجر بعد! خرجت بذهول أكبر مما دخلت به، توجهت لمصلاها، وقفت أمام الله .. وانتحبت!



أنهت صلاتها وأسندت رأسها للجدار، كان المكان مكتظا بالنساء ثم بدأ يقل تدريجيا، إلا من امرأة جلست بكبرياء، وفي عينيها دموع توجهت بها لله بجلد غريب، شريفة المنهكة بادرتها بالسؤال: 
- سيدتي بالله عليك .. ماذا حصل؟
نظرت إليها السيدة بحزن شديد، أغرق قلب شريفة في أضلعها .. أجابتها: 
- لقد هاجموا الدوار، الكثير من الجرحى هناك يأنون، بعضهم نقل للمستشفيات، والبعض مُنع عنهم الناس والممرضين، انهم هناك تحت رحمة الله! 

- الدوار؟؟ هوجم؟؟ .. تمتمت شريفة

كان لغزا لم تفهمه بعد، ربتت على كتف المرأة وقالت : 
- جبر الله قلبكم سيدتي. 


 

 
 
يتبع في الحلقة القادمة .. 

الاثنين، 9 يونيو 2014

خاطرة (غربة وطن) .. !

 تقفُ بعمق وطنك
بين احبتك وجماعتك
تنتشي والجميعُ حولك.. أو هكذا يجب أن تشعر
لكن عوضا عن ذلك.. تشعر بغربة.. بمرارة
ورغم برودة الجو وجميل عبيره.. تستشعرُ القيظَ بين جنباتِ روحك
قد يرتفُع بصركَ للأمام.. لكن قسوةُ شَمسِكَ تُجبِرُكَ لتعودَ بأدراجِ نظراتِكَ لتحتِ قَدمِك

تَوقف عن الحُُلم
تَوقّف عن الأمل
كُفَ عنِ التفاؤل
لا تَبتسم

حياةٌ قاسِيَةٌ تلفُ تِلكُمُ الأحلام
وأفعى البطشِ تَلتَفُ حولَ روحِ أمَلِك حتى لتظن أنها تكادُ تَلفُظُ أنفاسها الأخيرة..
وباتت ابتسامَتُنا الصفراء الساخرة عُنوان تفاؤلنا الذي نخشى أن يَشتدَ عودَه ف ..... يَنكَسِر!!


أعوامٌ تمَضي.. أيامٌ تتفلت مِن بينِ أيدينا.. دون أن نشعرَ بها.. تَسلبُ من أرواحنا بقايا الحياة.. فتزحفُ تجاعيُد الوجعِ على جِباهنا ولمّا يَحُن أوانها بعد!
وينقلب سواد شعرِنا لبياضٍ لا يُشبهُ قُلوبنا التي اسودت من القهرِ والحَزن..
حتى يصيرُ حُلمُنا مُجردَ "قبرٍ وَكفن" نتوقُ لنتوسده..
حتى يصيرُ "نزعُ الروحِ" غايٌة لمشتاقٍ يتوقُ لعدلٍ ما عرف معناهُ على أرضِ الدنى..

غَريبون نحنُ بدنيانا..
غَريبون بأحلامنا وأمانينا..
فكلُ ما نرجوه "بسمة" انتَزعها الزمانُ.. وأخونا الانسانُ من شِفاهِنا عُنوة..

قاسٍ هذا الإنسانُ على نفسه..
حتى تجاسرَ فقسى بنفسهِ على آخرين..
ظلومٌ ويُُوغِلُ في ظُلمِ نفسهِ باستباحةِ دماءِ أخيه
عَرضُ أخيه
قلبُ أخيه
روح أخيه

نسى أنّ الحياةََ كما تُدين تُدان
فعرضٌ بعرض
وإذلالٌ بإذلال
وقسوةٌ بقسوة

قد يكونُ جَزاءُ سيئة بمثلها
لكن ما عاد جزاءُ إحسانٍ.. إحسانًا
ما عاد الوفاءُ جزاء الأوفياء
ما عاد الحبُ جزاء المحبين
ما عادت الجنةُ للأتقياء ولا النارُ للأشقياء
على هذه الوسيعه كل الآيات مقلوبة!!
فالجنانُ للطغاة
وتحقيقُ الأحلام لصائدي الفُرَصِ والاستغلاليين والوصوليين
والنارُ من نصيبِ الصالحين!!

ما عاد الجزاءُ من جنسِ العمل
فإخلاصُ بقلةِ اكتراث
وتمسكٌ بكسرِ إرادة
وإصرارٌ بقتلِ عزيمة

عُذرا أيها الإنسان.. عُذرا أيتها الأوطان 
لقد كفرتُ بكم
وكل ما أرجوهُ منكم
غُسلٌ وكَفن!!

ايمان الحبيشي
7/6/2014


ثقافة اسمها (كما وصلني)

تحدثتُ في مقالات سابقة عن أهمية الكلمة، والمسؤولية الملقاة على عاتق كاتبها أو ناطقها[١] وكيف أن الكثيرين يمارسون بقصدٍ أو بغير قصد، عملية تزييف للوعي[٢] عبر كلماتٍ أو تحليلاتٍ بُنيت على أسسٍ خياليةٍ أو مكذوبة.


إن ما يدعوني للفت النظر مُجدداً لأهمية الكلمة، كونها تُعد السلاح الذي بواسطته هُدمت ثقافات حقة أو باطلة، وبواسطته كذلك بُنيت حضارات حقة أو باطلة، وأجد أنا مجتمع صار يهتم بالكلمات، ينتخِب بعضها ويتلقى البعض الآخر مُسلّماً، رافعاً أمامها رايته البيضاء.. قد يكون ذلك أمراً إعتيادياً، فقد نقرأ ما يُلامس روحنا وعقلنا وواقعنا فنقبله سريعاً، وقد ننفر أحياناً من بعض التوصيفات والتحليلات وإن كانت حقاً، لكن المشكلة اليوم أننا (نتلقى - ننشر - نؤمن) بكل ما يصلنا بطريقةٍ آليةٍ أعتقد أنها ليست صحيحة، أو على أقل تقدير تحتاج منا لوقفة مُراجعةٍ لتقييمها وتصحيحها إن كانت تحتاج للتصحيح.


منذ أيام ونتيجة تكرار مجموعةٍ من الحوادث والحرائق التي راح ضحية أحدها زهرتان عزيزتان من زهرات جزيرة سترة (زهراء وغدير)[٣]، انتشرت بشكلٍ كبير جداً تحليلات عن سبب اندلاع الحرائق، عزاهُ الأعم الأغلب لتعطل جثة الشهيد عبد العزيز العبار رحمه الله، كما وصفه آخرون بأنه من صُنع السلطة. أما السبب الأول فقد دخلتُ في نقاشات عدة مع من نقل هذا الرأي عن الأساس الذي بُني عليه رأيهم فكانت الإجابة (كما وصلني)![٤]


كمٌ هائل من المعلومات والأخبار يُتداول بسرعة كبيرة، دون التحقق من صحته بشماعة (كما وصلني) -كإشاعات الحرائق التي انتشرت بالتزامن مع حوادث الحرائق المؤسفة التي أشرت لها منذ قليل- وهي مساهمةً تُقدم مجاناً لمن أراد أن ينشر كذبةً أو يُوقع فتنةً، أو يُزيف وعياً، ونحنُ قطعاً بممارسة عملية النشر بتلك الآلية نكون مسؤولين أيضاً، مسؤولين عن نشر إشاعة تمس عرض إنسان ما، أو تُهوّل أمراً ما مُربكة المجتمع، عبر قذف نوعٍ من أنواع القلق أو الخوف في نفوس الناس، مسؤولين عن نشر حادثة ( لا نعلم صحتها ) تُسئ لإنسان ما، مسؤولين عن نشر ثقافة ما أنزل الله بها من سلطان، تُشوّه العقول والنفوس والنوايا، فضلاً عن نشر أحاديث تُنسب لأهل البيت (ع) لم تصدر عن أحدهم، وإن توافقت مع مبدأ دعوا إليه، إلا أن مسؤولية الكذب عليهم لن تسقط عنا إن كان القول حسناً.


أما الرأي الآخر والذي يتبنى أن أسباب الحرائق هو أيد خفية تتبع السلطة، فلا أستسخفه ونحن نعيش هذا الوضع الأمني المقلق، إلا أني أيضاً لم أجد ما يدعمه على الأقل حتى الآن.. لا أرفض مبدأ الشك في كل حادثة أو واقعة نعيشها ذلك أن الحال يفرض علينا الشك، إذ نعيش إستهدافاً على كافة الأصعده، إلا أني أجد أننا نحتاج لدلائل حقيقية تُثبت تورط تلك الأيدي خلفها، لا لتبرئة السلطة لكن لأننا بحاجة لبحث جاد عن أسباب الحوادث التي تقع، كأن نُعالج الإهمال إن كان موجوداً، كأن نُوفر أدوات السلامة إن لم نكن نعتني بتوفيرها، كأن نتعلم أساليب التصرف الصحيح في حال حدوثها، كأن نتخذ تدابير وقائية تحمي منازلنا وأرواحنا شرها. أما تبني أسلوب أن كل ما يحصل على هذه الارض سببه السلطة فحسب، فذلك مدعاة لجمودنا وربما لاستمرار وقوع البلاء علينا، وليست الحرائق هنا سوى مثلاً نستطيع أن نُطبقه على الكثير من الحوادث التي تحتاج منا للوقوف على الأسباب الحقيقية لحصولها وبالتالي تصحيح مسار الأمور وإيجاد سبل الوقاية.


لكُل منا دوره الدقيق في هذا المجتمع، قد لا يُدركه الفرد إلا أن آثاره ستكون موجودة حتماً على الجميع.. إياك أن تقول (مجرد رسالة سأمررها) ليكن شعارنا (تلقى/ دقق / قيم / إنشر) لتكُن وسائل تواصلنا وسائل رحمة لا وبال علينا.


ايمان الحبيشي
31 مايو 2014
____________________________________________________________

[١]http://ertiqabh.blogspot.com/2014/04/blog-post_19.html?m=1 
[٢]http://ertiqabh.blogspot.com/2014/05/blog-post_8398.html?m
[٣] http://www.alwasatnews.com/ipad/news-888758.html
[٤] رأي سماحة السيد محمد العلوي حول الربط بين الحوادث المؤسفة وعدم دفن جسد الشهيد العبار ::
( لا شَكَّ ولا شبهة في أن للأعمال أثر في البلاء، وهذا هو القرآن الكريم والروايات المعصومة عن العترة الطاهرة تصرح عن علاقة تكوينية بين العمل وبين تقديرات الله تعالى وقضائه..
قال تعالى:
(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
وقال عز وجل:
(فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ)
وهذا قليل جدًا من كثير قد ورد في خصوص الابتلاء بسبب الأعمال..
أما أن نحصر حدثًا أو أكثر في سبب أو أسباب فهذا يحتاج إلى دليل صريح..
لماذا لا نقول بأن هذه الحرائق -مثلًا- بسبب انتشار السفور والمغازلات بل والسفالات في مواكب العزاء من المتفرجين والمتفرجات؟
لماذا لا نقول بأن السبب هو تحول العلاقات غير الشرعية بين الرجال والنساء كبارًا وصغارًا إلى حالة طبيعية؟
لماذا لا نقول بأن السبب هو عبادة الناس للأفلام والمسلسلات التي تضج بالمشاهد المحرمة صريحًا؟
هذا مع تجاوز أن الحرائق تتكرر كل سنة في موسم الحر، وكل ما في الأمر أن الأضواء قد سُلِّطت عليها هذه المرة!!
أما بالنسبة للشهيد العبار (رحمه الله تعالى) فأمره موكل لوليه ولي الدم، وليس من العدل محاكمته وتحميله مسؤولية ما يجري دون وجه علمي صحيح، وهذا مع علمنا بأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، فيما لو قلنا تنزلًا بأنه وزر!!)

بين التراحم والتصارع؛ واقع انسان !

(مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ ۖ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا ۖ ) ١
(فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ . )٢
قال رجل للنبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أحبّ أن يرحمني ربّي فقال له صلى الله عليه وآله وسلم: "ارحم  نفسك وارحم خلق الله يرحمك الله"٣
لستُ بصددِ تفسيرِ الآياتِ الكريمةِ أو الحديثِ الشريف، ولا حتى الدعوةِ للإلتزامِ بها، إنما اخترتها لمحاولةِ مناقشتها معكم، لعلنا نُوفقُ لقراءةِ خارطةِ الانسانِ الصحيحةِ، ولا أفضلَ لتلكَ القراءةِ من الاستعانةِ بمَن رَسَمَها ( الله ).

حينَ يُشيد الله برسولهِ ومن مع رسوله من زاويةِ ( التراحم بينهم )، ، حينَ يَتَحدث الله عن قومٍ (يُحبهم ويُحبونه) من زاويةِ التذلُّلِ لبعضهم ( التَذلل مِن اللّين لا مِن الذِلة كما وجدتُ في التفسيراتِ التي اطلعتُ عليها سريعا) ٫حينَ يُوجه رسولُ الله صلى الله عليه وآله أبناءَ الاسلامِ  ليَرحموا فيُرحمو، فجميعنا سنفهمُها كتوجيهات أو سجايا أرادَ الاسلامُ أن تكونَ من سجايا مُنتسبيه، وأن علينا الالتزام بها طمعاََ في الثوابِ ونجاةََ من العقابِ، لكني أريد أن اقرأها معكم من زاوية مُختلفةٍ قليلا؛ تُرى لمَ وجَّه الله الناسَ للتراحُمِ بالذات ولمَ أصّرَ رسولُ الله عليها؟!  أترى التراحم -الذي يُقابله التصارع- طبيعةٌ بشريةٌ فُطرَ الانسانُ عليها؟ وان كانَت كذلك فهل هي قابلةٌ للتلوثِ - كما أن الانسان يُولدُ بالفطرةِ وابواهُ يُهودانَهُ أو يُمجسانَهُ أو يُنصرانَهُ - فربما خُلِق الانسان بفطرةِ أن يكونَ رحيماََ فقسّتِ الدُنيا قلبهُ؟!
 لا أُريدُ الوقوفَ كثيراََ عندَ هذهِ الجدلية، فإن وُلدَ الانسان بفطرةِ الرحمةِ فتلوثت، أو بِفطرةِ التصارعِ فإحتاجَ أن يُهذبها الاسلام، فإنَ النتيجةَ واحدةََ كما يراها الكثيرُ من علماءِ الاجتماع؛ (أن التصارعَ طبيعةََ بشريةََ واجتماعيةََ )  بل يَجِدها البعض كالدكتور علي الوردي، بأنها طبيعةٌ تَدفعُ نحوَ التقدمِ والتطور! وما أفهمه شخصياََ من توجيهاتِ الله ورسولهِ، أن الانسانَ بحاجةٍ ماسةٍ للتراحمِ واللينِ داخلَ مُجتمعهِ - أكان التصارع فطرته او مما طرأ عليه - ليس لينالَ الجنةَ ورضا الله فقط، بل ليتمكنَ من بناءِ مُجتمعٍ سليمٍ قادرٍ على المضي للامام.

في الأشهرِ القليلةِ الماضية، كنتُ ممن يَرى أن حالةَ التصارعِ داخِل مُجتمعنا قد بلغت حداََ أصفهُ أحياناََ بأنهُ ( لا يُطاق ) وقد أنزوي عن بعضِ النقاشاتِ والتعليقاتِ، بل وبعضِ مواقعِ التواصلِ الاجتماعي لأُبعِدَ نفسي عن مظاهرِ ذلكَ التصارع ومنها:
- التسقيط
- سوءُ الظن
- التنابزِ بالألقاب
- تبادلِ الإتهامات
- التراشق
- التهجم على الشخوص
والكثيرُ الكثير من تلكَ المظاهرِ التي كانت مقتصرةََ على مواقع التواصل الاجتماعي، ثمَ زَحَفَت لتَدخلَ قُرانا، وأحيائنا بل وبيوتنا وربما بعضَ غُرف نومنا!

التصارع الذي نعيشهُ اليوم، قد يكون تصارع أفكار ورؤى سياسية من الدرجةِ الأولى، لكنهُ ألقى بظلالهِ على كلِ جوانب حياتنا سيما الاجتماعيةِ منها، وقد تَرتفعُ أحياناََ الأصواتُ للدعوةِ للتوحدِ ونبذِ التنازعِ نتيجةَ التوجعِ الحقيقيِ لما آلت اليه أحوالنا، أو ربما نتيجةَ اعتقادِ البعض أن المصلحةَ العامة تُوجبُ ذلكَ، وأجدُ بشكلٍ قاطعٍ أن حالةَ التنازعِ تُضعفنا كمجتمعٍ واحد، لكني لستُ مع الدعوةِ للتوحدِ كما يَفهمُها البعض بشكلها التقليدي، ألا وهي؛ أن يتنازلَ الفردُ للجمعِ على مستوى مادي أو فكري أو معنوي، وهي ما قد يَتَضاربُ مَعَ ما أسلفنا ذِكرهُ مِن طبيعةٍ بشريةٍ أثبت التاريخ انها تحصلُ وتتكررُ في كل المجتمعات، لذلكَ فإننالا بُدَ ومن أجلِ أن نصلَ لصيغةِ توافقٍ في تصارعناالفكري أو السياسي أو أياََ كان اسمه، لا بدَ أن نقبلَ مُنطلقاته، أن اختلافنا وان كنا ضمنَ مجتمعٍ واحد، هي طبيعةٌ علينا القُبولُ بها وأن التوحدَ لا يعني بالضرورةِ أن يُلغي أحدنا نفسهُ، ليذوبَ ضمنَ الآخرَ، وأن التصارع لا بُد أن يتحولَ لتنافسٍ لبُلوغ الهدفِ العامِ الذي يجمعنا داخلَ منظومتنا الاجتماعيةِ، دونَ أن يضعَ أحدنا رِجلهُ في مسيرةِ الآخرَ ليتسببَ بعرقلةِ مسيرتهِ وربما تكسيرِ رجليه ! 

إن كانَ التصارع محطةََ لا بُد أن نَمُر بها، فإني أُصر بأنها محطةٌ حتميةُ المرورِ لا المكوث، محطةٌ لا بُد أن نعرفَ كيفَ نُغادرها سريعاََ متخلصينَ من كلِ عوالقها النفسيةِ والاجتماعيةِ والثقافيةِ، متسلحينَ بما اكتسبناهُ من خبرةِ المرور بها، حتى نتمكنَ حقاََ من مُواصلةِ السيرِ نحوَ الأمام كما تمكنت من ذلك مجتمعات سبقتنا ( راجع تاريخ العلاقة بين حزب الله وحركة أمل في لبنان).
أتفهمُ أننا أبناءُ مجتمعٍ بسيطٍ يعيشُ مُتغيراتٍ وضغوطٍ كبرى، وقد يُؤدي بنا ذلكَ لأن نفقدَ توازننا قليلاََ، وأن ننشغل بخلافاتنا مدةََ، لكن هل يُعقل أن نبقى عالقينَ حيثُ التراشقُ والتنابزُ والتصارع الذي ان لم نُحولهُ لفكرةِ اختلافٍ راقيةٍ تدفعُ بنا نحو التطورِ، فقد يكونُ هو السببُ الرئيس في القضاءِ علينا!

يقول الدكتور علي الوردي أن ( الديمقراطية الغربية )، هي إختراعٌ إنسانيٌ راقٍ حوّلَ حالةَ التصارعِ البشريِ، الدمويِ، الوحشيِ على السلطةِ هناك، إلى حالةِ تصارعٍ ورقيٍ حقنتِ الدماء، واحترمت طبيعةَ الانسان ( التصارع ) فتحولت لمجتمعاتٍ مُبدعةٍ، منتجةٍ تحترم حقوق الانسان، وتختزل صراعها داخلَ صناديقِ الاقتراعِ وفي مقارِ المرشحينَ للانتخابات وضمنَ حملاتهمُ الانتخابيةِ ٤، وأقول ان كانت الديمقراطيةُ الغربية اختراعٌ بشري اخترعه الانسان، فإن الآياتَ بالأعلى وكثيرٌ مثلها داخل دفتي كتاب الله - يعرفها المختصون وقد أتوهُ عنها - قانونٌ إلهيٌ أثقُ أن بإمكاننا أن نستنبطَ منهُ قانونَ حياةٍ يحفظُ طبيعةَ الانسان، ويُهذبها دافعاََ المجتمعاتَ الإسلامية لتكونَ جديرةََ بإحترامِ حقوق الانسانِ التي أسس لها الله، ودعا لها رسوله وأهلُ بيته ،، فقط لنُدرِكَ حقاََ ان اختلافنا طبيعة وحق لابد ان نحترمه ونقدره ونُصيغهُ بطرق منتجة.




-----------------------
١/سورة الفتح الآية ٢٩
٢/سورة المائدة الآية ١٥
٣/كنز العمال،المتقي الهندي،ج ١٦ ص ١٢٩
٤/ لشرح اكثر اسهابا راجع كتاب مهزلة العقل البشري للدكتور علي الوردي 




ايمان الحبيشي
٢٤/٥/٢٠١٤

تزييف الوعي

رسالة وصلتني عبر مجموعةٍ من المجموعاتِ على برامجِ التواصل (whatsapp)، عُنوِنت بكلمةِ "حقيقة"، وساقت مجموعةٍ من المعلوماتِ التي أعرفُ جزماََ أنها لا تمتُ للحقيقةِ بِصِلة!

وعبرَ ندوةٍ رسميةٍ بإحدى الجمعياتِ السياسيةِ كذلك، سيقَت مجموعة من الإدعاءات وكأنها حقائقَ لا مجالَ للشكِ بها!

وما بين الأمرين (الرسالةُ والندوة) وجدتُني أقفُ على دائرةِ تقاطعٍ فيما بينهما، فأصلِ الموضوع واحد، وبالرغمِ مِن ذلكَ فقد سيقَ في المرتينِ بطريقةٍ مختلفةٍ ومتعاكسةٍ بشكلٍ كامل، إلا أنَّ صاحبيَّ الرسالةِ والخطابِ استعملا ذاتِ السلاح لطرحِ (قراءتهما أو رأيهما القابلان للصحةِ والخطأ) ك .. (حقائقَ نتفضلُ بها عليكُم لنُنمي وعيكُم ونمنعَ خِداعكم!!)

لا يُمكنني أن أدعي أن استخدام هذا الأسلوب يَتم دائماً عن سبقِ إصرارٍ وترصد، قد يكونُ تِكرارهُ ناتجٌ عن تَعوُد، وحتى عن جهل إلا أن نتيجة استخدامه عمداً أو سهواً واحدة وهي أن (سوقنا لحقائقَ باطلِةٍ، تَخلقُ وعياً زائفاً).

الكثيرُ من المواقفِ التي نتخِذها من شخوصٍ موجودةٍ على أرضِ الواقع إنما عن اعتمادنا على (حقائق) ساقها آخرون، دون أن نُعطي لِعقلنا حقهُ ووقتهُ في التفكيرِ والتريثِ والتصديقِ والشكِ، الكثيرُ من الرؤى نَرفُضها لأنها جاءت مغايرةً لما اعتدناه من اعتقادات صارت ثابتةً لا تقبلُ النقدَ والتقييم، وهي اعتقاداتٌ في أصلِها قد تتغيرُ، بل من الضروري أحيانا أن تتغيرَ بتغيرِ بعضِ الظروفِ وبتقدمِ الأُمم.

عاداتٌ اجتماعيةٌ، قيمٌ تَربويةٌ، رؤى سياسيةٌ، والكثيرَ الكثيرَ مما آمنا بهِ حتى صارَ ثابتاً وربما يحملُ منَ الرمزيةِ الشئَ الكثير إنما بُنيَ على اعتقاداتِ آخرين وحقائقَ لم تكُن من صنفِ الحقائق.

اليوم ونحنُ في عصرِ الكتابِ والإنترنت، وسهولةِ تناقلِ المعلومات، لازلنا نتَّبعُ ذاتَ الطريقةِ في تَبني الآراء، ولازلنا نَسمحُ للآخرينَ بإدارةِ شخصياتِنا وعقولِنا ورُبما معتقداتنا وبالتالي نِضالِنا كيفما شاء، بحسب قناعتهُ هوَ ومبتنياتهُ هوَ، ثُم نُلقي بعدَ ذلكَ باللومِ في فشلنا وامتناع تحقيقِ الأهدافِ عنا لأصحاب تلك الرؤى، والحقُ كُل الحق أننا المُلامون من الدرجةِ الأولى، فإن لم يَحترِم الفرد عقلهُ وقُدرته على تقييمِ رؤى الآخرين قبل تبنيها، ثُم مَنَعَ عَن نَفسهِ حَقَّ القُبولِ والتساؤُلِ والرفضِ لها، فلا يكونُ مِن حق أحدٍ أن يَلومَ قُدرةَ الآخرينَ على تسويقِ رُؤاهم على جمعٍ يمتنِعُ عن التفكير، ويستقبِلُ كلَ ما يتلقاهُ كحقيقةٍ دونَ أن يُكلِفَ نفسهُ عناءَ البحثِ والتيقنِ، وإن على مستوى الدلائلّ التي على أساسها بُنيت تلك الرؤى، مثلا؛ً كم من رؤيةٍ أو رأيٍ كان أساسهُ حديثاً نُسبَ لمعصوم، لتُفاجأَ بعد حين بأن لا صِحةَ لنَسبِ ذلكَ الحديثِ لمعصوم!
كم من آية فُسرت كما شاءَ من ساقها مُضمناً إياها بيانهُ، أو شرحهُ أو توصيفهُ، ليتضحَ بعد حين أن تفسيرَ تِلك الآيةِ مُقيدٌ لا يُمكنُ إطلاقهُ!

في الواقعِ، أن مسؤوليةَ صناعةِ الوعي إنما تقع على عاتق طرفين رئيسيين:

(صاحب الرؤية المطروحة) الذي يتحمل مسؤولية رؤيته حين ينسُجُها بحروفِ الزيفِ والخديعةِ وإن أرادَ بِها حقاً وإن كان عن جهل!

حَريٌ بكلِ من يتبنى رؤيةً ما، أن يسوقَ مُبتنيات علمية حقيقية تُساهم في الدفع نحو حالةٍ من التغيير المجتمعي، وربما الثقافي القادرِ على المساهمةِ بتقدمِهِ وتَطورهِ وحلِ مُشكلاته بشتى المجالات وِفق قيمه العليا، فإن قَصَدَ صاحب تلك الرؤية مصلحةٍ شخصيةٍ غير مكترثٍ بمصلحةٍ عامة، صارت المسؤوليةُ في مرمى المتلقي، ليقف بالمرصاد وذلك حين يكُون فطناً، يقظاً لما يُساق لهُ من معلومات، قادرٌ على التحررِ من سطوةِ (كاريزما) القائل، قافزا نحو الفكرةِ والطرحِ وجدواهُ ومدى صحتهِ واحترامهِ للحقوق والواجبات، ممتنعاً عن نشر وتسويق تلك الرؤية -بل كل ما يتلقاه- إلا بعد معرفتها معرفةً حقيقية والتأكد من تحقيقها -ولو نظرياً- للأهدافِ التي تُعلنُ أنها تُريدها وتسعى لها، مُعطياً الآخرين حق انتقادها، وتوضيح أسباب رفضهم لها، لعل ذلك يفتحُ آفاقاً، ويُسلط الضوءَ على مناطقَ مُعتِمةٍ لا بُدَ من كشفِها، وربما إجراءَ التعديلِ عليها لتكونَ أكثرَ موائمةً لمصالح الجميع، مُتفقة مع إمكانات المجتمع آخذةً في الإعتبار هويته وقيمه وثوابته الحقة.

إيمان الحبيشي
16 مايو 2014

واصل السير .. إياك أن تتوقف

مَنْ مِنَّا كان النجاحُ حليفَهُ على مدى سني حياته؟

مَنْ مِنَّا لم يتجرع مرارة الفشل والخذلان وقسوة الحياة؟

مَنْ مِنَّا عاش كُلَّ أيامه موفقًا سعيدًا كلَّما ابتغى أمنية تحققت؟

أكادُ أجزم أن لا أحد مِنَّا يعيش حياةً سعيدةً كاملةً ميسرةً بكلِّ ما تحوي كلمة التيسير من معنى، لكني أيضًا أكاد أجزم أن الكثيرين يعتقدون أن فلانَ الذي عرفوه يعيش حياته اليسيرة مُنَعَّمًا لم يعرف الوجع ولا السعي ولا البذل ولا الخذلان ولا الفشل..

حسنا.. 

نسبيًا، قد يكون لهذه الفئة وجود..

هناك أفراد أنعم الله عليهم بنعمة الصحة والذكاء والمال والبنون والرزق وكثير مما يهب الله عباده، ولربما كان هؤلاء من أكثر الناس تَرَشُّحًا للنجاح وللمساهمة الايجابية في بناء المجتمع، ولكن ببذل بذلوه ومشقة تجرعوها وغرس غرسوه حتى أينع ثم وقع نظرنا على الحصاد..

كذلك فإن بعضًا مِنْ هذه الفئة التي أنعم الله عليها بهباته فظنناهم سعداء بما وُهبوا، لو فتشت بين جنبات أرواحهم لوجدتهم متعبين منهكين حزانى لطالما سلبهم التفكير حلو نومهم، كرجل وهبه الله العلم والتدين والذكاء والصحة والزوجة الصالحة والذرية السليمة، لكنه ابتلى نفسه بالوسواس فكانت الطهارة شغله الشاغل حتى أنهكت جسده وروحه وباعدته عن زوجه وعياله وعزلته عن مجتمعه حتى اقترت عليه رزقه!!

وكزوجة وهبها الله رجلًا معطاءًا صبورًا محبًّا مجدًّا، فأحاطته بسلطان تحكُّمها وشكها، وضربت حوله سورًا من الأوامر والنواهي، وترقب كل شاردة وواردة تطرف بها عيناه حتى انتفض من قفصها ضائعًا هاربًا يبحث له عن شئ من هواء يشهقه، مغمض العينين يزفره مرتاح البال!!

نعم، هناك من وهبهم اللهُ كلَّ أسباب السعادة والتوفيق، إلا أن تركيبتهم النفسية أو تربيتهم الاجتماعية قذفتهم بملئ إرادتهم -طبعًا- في زاوية صغيرة من زوايا حياتهم فانزووا فيها حتى نسوا أن في حياتهم متَّسعًا آخر للأمل والتقدم والهناء..

ماذا يعني أن يُقتر عليك رزقك هُنيئة؟

ماذا يعني أن تواجه صعوبة ما في دراستك؟

ماذا يعني أن تعيش اختلافًا مع شريك حياتك؟

ماذا يعني أن يغادرك عزيزٌ مختارًا أو مجبورًا؟

ماذا يعني أن ترسم خطةً ما لتكتشف بعد حين أنها ليست صالحة للتنفيذ؟!

لماذا يجيد بعض البشر التعثر والوقوف والعيش بشعور المتألم دائمًا.. المغبون دائمًا.. الفاشل دائمًا.. المسكين دائما؟

لماذا يعشق بعضنا الاستغراق في جوانب الضعف من حياته مبطلًا مفعول جوانب القوة لديه؟

أتفهم جدًّا مواضع الألم في الحياة..

أعرف معنى أن تعيش الفشل والخذلان..

أدرك جيِّدًا -كما تدركون جميعًا- معنى السقوط وتبدد الأحلام، إلا أن التوقف لا يعني أن الأمور ستحل من تلقاء نفسها، فإن تعسرت دراستك فالمطلوب أن تبذل المزيد من الجهد، وإن عشت اختلافًا مع شريك حياتك فالمطلوب أن تحاول ايجاد صيغة اتفاق أو توافق أو على أقل تقدير أن تمنعه من التحول لخلاف، وإن فشلت فلا زال في الحياة متسعٌ من معاش.. قد نستسلم يومًا لشكونا.. لغرورنا.. لهوسنا.. لترفنا. لجشعنا..

ليست تلك المشكلة الحقيقية بل هي في أن نستسيغ استسلامنا ونطالب الكون، كل الكون، بالتأقلم مع خلل دواخلنا على أن لن نبذل شيئا من جهد لنعيد مؤشرات شخصيتنا لوضعها الطبيعي.

كل القصة هي: كيف نوظف مشقة الحياة لتكون وقودًا يحترق ليقذفنا خطوات للأمام.

إيمان الحبيشي

4 مايو 2014

السبت، 3 مايو 2014

عاشوراء التقليد وعاشوراء التقنين


عاشوراءُ الماضي لم يكنْ مُجردَ عاشوراء، كانَ صورةً مُمتلئةً بالألوانِ والأحداثِ والفعالياتِ، رُبما كانتْ المرةَ الأولى التي شَعرتُ فيها بالإكتظاظِ والامتلاءِ لحدِ الفوضى!
ضربُ صُدورٍ
شَقُ هاماتٍ
جَرحُ ظُهورٍ
لَطمُ وُجوهٍ
مَشيٍٍ على الجمْر
ركضةُ طويريج
مواكبُ مَشق
إنتشارِ مَضائِفٍ
تَبرعٌ بالدَم
نَصبٌ لِمجسماتٍ تَصويريةٍ
نشرٌ للراياتِ السوداءِ والخضراءِ والبيضاء،
أتودون أن أعترِف؟أيضاً كانتْ هي المرةَ الأولى التي إستهجنتُ فيها شَعيرةً ما وإن سراً، كالمشيِ على الجمرِ أو جَلدِ الظهرِ بالسلاسلِ حتى تسيلَ الدَّماء، لكني وقفتُ هُنيئةً أنظرُ لكُلِ ما يَحصُل، لا يُمكنُ أن ننظُرَ لزاويةٍ ما بِشكلٍ مُجتزأٍ مُنفصِلٍ عَن بَقيةِ الصورةِ سواءً إتفقنا مع هذه الشعيرةِ وتلكَ أو رَفَضناها، سواءً اعتبرناها إحياءٍ راقٍ أو مُشوهٍ لنهضةِ الحُسين (ع)، ففضلتُ المحاولةَ بأن أُلقي نظرةً كاملةً على الحالةِ الحُسينيةِ للعامِ المُنصرمِ، تساءلتُ حقاً ماذا حصل؟! ما سِرُ زيادةِ مواكبِ التطبيرِ والمشقِ والمضائفِ حتى أثارت لغطاً وتحولت تنازعاً!
ما وراءَ إصرارِ الشباب أو بعضهم على إحياءِ مُصيبةِ كربلاءَ بِكلِ السُبلِ المُمكنةِ والغيرِ مُمكنة، العاقلةِ الرشيدةِ أو تِلكَ ذاتِ الجزعِ المهيبِ المرفوضِ أحياناً ؟!
لو فتشنا عن تاريخِ هذا الشعبْ لوجدْنا ثلاثَ سنواتٍ عِجاف عاش مثلها قبلاً لكنها ما كانت بذاتِ التركيز؛ قتلٌ على الهوية،
إستهدافٌ على الهوية،
فصلٌ على الهوية،
إعتقالٌ على الهوية،
شَتمٌ للعقائدِ والعلماء،
إستهدافٌ للشعائرِ الدينيةِ،
حربٌ بِلا هوادة على كُلِ ما يَمُت للتشيعِ بصلة. 

لم يَكُن المُعتقل أو المقتول أو المفصول بحاجةٍ لأن يَكونَ (مُمثلاً) حقيقياً ذائباً بهويتهِ الشيعيةِ حتى يُحارب، كان يَكفيهم ولا زال أن يكونَ شيعيَ الإنتساب وإن من طرفِ أحدِ والديه، ليُشتمَ ويُبصقَ في وَجههِ ويُستهزأَ بهِ ويُلقى بالمعتقلاتِ بتهمٍ تَصلُ للقتلِ والتفجيرِ وحيازةِ أسلحةٍ وتكوينِ خلايا وجيوش.

كان الشعبُ يُصرُ مُنذُ الوهلةِ الأولى على أنّه ليس سوى باحثٍ ومطالبٍ بحياةٍ كريمةٍ لهُ ولكلِ من يقاسِمَهُ هذهِ الأرض شيعياً كانَ أو سنياً مسيحياً أو يهودياً، هو لا يُريدُ سوى أن يكونَ ذا هامةٍ مَرفوعة، مَحفوظَ الكرامةِ كغيرهِ، لكنهم حاربُوه ولا زالوا بإنتمائِهِ الدِّيني، تقّوّلوا عَليه وعلى قِياداتِ طائِفَتِهِ، ساسةً كانوا أم لم يَكونوا، تَجاوزوا في شَتمِهِم حُدودِ الوطنِ، فَوَصلوا للأئِمَةِ مِنْ وُلدِ النبيِ صلَ اللُه عليه وآله وسلم، مُروراً بِكُلِ المراجعِ المُرابِطينَ بأَوطانِهِم بل كُلِ بلدٍ يَحوي شيعياً !!

هَذا الشعب أدركَ يَقيناً وإن كانَ يعلمُ مُسبقاً أنهُ مُحارَبٌ في هَويَتِهِ، وأنهم يَحلُمونَ ويُخَطِطونَ ويُهَنْدِسُونَ ويَعْمَلونَ ويَسْهَرونَ الليالِ الطِوال، ويَصرِفونَ ثَرواتَ البِلادِ ليَنتَزِعوا مِن قَلبِ هذا الشعب إنتِمائِه وليسَ أفقعَ مِنَ الحسينِ تَعبيراً عن ذلك الإنتماء.

هل مِن المُمكنِ أن يُأخَذَ (يؤخذ) هذا الواقِعُ بعينِ الإعتِبار،إن كانَ كذلِكَ فرُبما لا يُطبِّر بعضَ هؤلاءِ الشبابِ إستفزازاً،ولا يَرسُمُ آخرينَ ترفاً، ولا تُنصَبُ المُجسَمات أو يُهرَعُ لركضةِ طويريج عِناداً، وقطعاً لا يُلطمُ الصدرُ تعنتاً، ولا تُنشر المضائف إسرافاً، ربما أنهم ببساطةٍ شديدةٍ يُحيونَ إنتمائهم بداخلهم (ظمأً) واحتياجاً والحاجاتِ أمُّ الإختراعات فما بالكم ونحنُ أصحابُ حضارة!!

لستُ بِصددِ الدفاعِ عن أُمورٍ قدْ يَجِدُها البعضُ إسرافاً وأجِدُها تحتاجُ لتوجيهٍ وتَقنين، لكني أدعوا لبَحثِ الأسبابِ وتشخيصِ التداعياتِ ومُحاورةِ العِلل لتَجاوزِ المُشكَّل سَواءَ وَقَعَ أو مَنْعِهِ إن كانَ على وَشَكِ الوُقُوعِ، نَحنُ اليوم على أبوابِ شهرِ رَمضان، ولن نَجِدَ أنفُسنا إلا ونَحنُ بِعُمقِ أيامِ عاشوراءْ، حَذارِ حَذارِ مِن مُحَاربَةِ فِكْرةٍ ما أو فعالية، فذلك ليس السبيلَ الصحيح لإيقافها أو تَقنِينِها أو توضيح خَطَأها مثلاً، لكني صِدقاً أقِفُ أمامَ مجموعةٍ مِن تِلكَ الأفكارِ التي صِرنا نُقلِدها إقتِباساً (بِغَضِ النظرِ عن الأسباب) مِن بُلدانَ تَختلِفُ جُغرافِيتها وطِباعِ أهلِها وطبيعةِ عاداتِها عن مجتمعاتنا وإن تَشابهنا في التشيع، نُكرِرُ عمليةَ التقليدِ بميكانيكيةٍ يَتنَزهُ عنها البشر الذين وهبهم الله عقلاً ليُفكروا، لا بأس أن تُقتَبَسَ الأفكارُ والإبداعات، لكن لا بُد أولاً مِن تَوطِينِها وتقنينها، هُناكَ هدفٌ نَسعى إليهِ مِن وَراءِ إحياءِ عاشوراء ليسَ أحدهُ التنازعِ ضِمنَ هذا الإحياء بل التَنافُس لِقَطفِ ثِمارِه إن أينَعتِ الثمار، نَتحدثُ عَن مَجالِسِ عاشوراءَ كثيراً، داعينَ الخطباءَ لطرحٍ عَقلانيٍ مُتَحضِرٍ راقٍ يَمُسُ اهتماماتِ أبناءِ المُجتمع، ويَنتَشِل شَبابهُ مِن الفراغِ، والجهلِ والتَمَلمُلِ والعيشِ بِلا هَدف بعيداً عنِ اللهِ وأهلِه، ثُمَ نَهجُرُ تِلكَ المَجالِسِ لنَتَنازعَ حَولَ رَكضَةِ طويريج! التَقليد ليسَ أمراً مُسْتَهجَناً بِحَدِ ذاتِه لكنهُ أيضاً ليسَ عَمليةً مَنْزوعَةَ البَصرِ والبَصيرةِ والتَعقُل، في أحدِ الأعوامِ وفقني الله لزيارة الأربعين في العراق قبل عاشوراء الفائت، ووجدتُ العديدَ مِن وسائلِ الإحياء التي لم أعتَدها والتي تَميزت بِطِباع أهلها، بينما مَرَّ موكبُ أبناءِ البحرينِ مُنَظماً، مهيباً خاشعاً، لِوهلةِ شعرتُ أن أبناءَنا قادرينَ على تصديرِ هذا الكمِ من المهابةِ والتنظيمِ والحضورِ الخاشع بمجردِ تواجدِ هذا الموكب كل عام، لكني تفاجأتُ حينَ وجدتُ أننا استوردنا اللطمَ والركضَ والجرحَ على طريقةِ الآخَرين، نَحنُ بحاجةٍ ماسةٍ لوقفة لإعادةِ عاشوراءنا المهيب، جامِعِ الكلمِ، مُوحِّد القُلوب، لنَكُن مُتفهمين لأنفسنا ومجتمعنا وطبائعنا، لِتكُن صُدورنا رحبةً حتى نَستطيعَ بذلكَ إحتواءَ ما قد نجدهُ إحياءاً لا يمتُ للحسين بصلةٍ بأخلاقٍ مُستمدةٍ من سيرةِ مُحمدٍ و آلِ مُحمد.

http://ertiqabh.blogspot.com/2014/05/blog-post_4466.html

قف.. فكر.. قرر بوعي

  نسمع كثيرا عن مفردة (الوعي) ونُدعى كثيرا لأن نكون (واعين) بل وحتى في أحاديثنا المعتادة نطالب أن يكون الآخر مالكا-لوعايته الكاملة (تعبير دا...