ابحث في مدونتي

الأربعاء، 14 يناير 2015

قصتي : حب في نون السياسة (8)

صورة رقم (1)*
أسرعت الفتيات للمنزل، كان عدد من الأهالي متحلقين حوله، تسارعت دقات قلبهن، ترى ما الذي يجري في الداخل؟؟ كانت سيارة الإسعاف متوقفة تماما عند الباب الرئيسي، ترافقها سيارة الدفاع المدني وعدد من سيارات الأمن وعناصر من الشرطة!!
دخلن مسرعات ليتفاجأن بالجميع وقد تجمعوا فوق السطح! ركبن هناك لاستطلاع الخبر، المفاجأة أن الجدة كانت مسجاه على سرير أبيض، بينما السواد يحيطها!!
صرخت زهراء:
- ما هذا الرماد؟ ممَ كل هذا السواد؟
أجابتها والدتها وهي منهارة:
- أمي اضرمت النار في نفسها!
كان في الجدة رمق من حياة، فأسرعوا بحملها لسيارة الإسعاف، حيث نظرت لابنتها وقالت:
- سامحيني وأبلغي علي مني السلام
توفيت الجدة منتحرة، على اثر حالة نفسية شديدة أصابتها، بعد مشاهدتها لفصل من فصول تعذيب علي وحسن أمام ناظريها، لم يراعوا كبر سنها ومرضها، بقيت طوال هذه المدة واجمة لا تصدر عنها اية ردة فعل، ولم تكن تفكر الا في علي " ان كانوا هكذا يضربونهم في حضرتنا فماذا يفعلون بهم في السجن؟"، (صارت مهووسة، تمشي في الشارع، تقف فجأة، ثم تتراجع، وكأنها لا تعرف الطريق، أو لا تعرف إلى أين تذهب)** حاولت ابنتها وحفيداتها أخذها للعلاج النفسي، الا ان أصوات الطلقات التي لا تتوقف في القرية، واقتراب القوات من البيت كثيرا، واستماعها لأصوات ركضهم وبرقياتهم، سبب لها رعبا حاصرها كثيرا، وتسبب لها بحالة من الاكتئاب الشديد، انتهت بالانتحار!!
صار روتين شريفة اليومي، أن تتجه لبيت خالها عصرا، لتشارك في مختلف الفعاليات التي تذهبها بنات خالها، لتعود لمنزلها مساءً صامتة، كثيرا ما حاولت والدتها أن تكسر حالة الجمود التي سيطرت على علاقتهما مؤخرا، الا ان ما اختبرته شريفة في هذه السنة كان كثيرا، كثيرا جدا لتقبل بما كانت تقبله، هذا المساء عاتبتها والدتها:
- لم يعد لي ابنة انها مشغولة جدا عني
- أنا موجودة يا ماما إذا احتجت لأي شيء فقط أشيري له وأنا طوع أمرك
- كفي عن الخروج كل يوم
- أمي ، لم أعد طفلة
- ولأنك لست طفلة تخرجين وتعودين دون علمي بمكانك
- تعرفين أني أقضي وقتي مع أهلك
- وما الذي يقلقني سوى ذلك؟؟
أجابتها شريفة بحدة وبصوت منخفض، فهي لا تريد أن يفلت زمام إحسانها لأمها :
- ماما .. كم مرة اخترت لي طريق حياة انتهى بالفشل؟
- أنا؟
- نعم يا ماما أنت، ألم تجبريني على الزواج من ابن عمي؟؟ وماذا حصل؟ انتهى بالفشل
- كنت اختار لك زوجا قادرا على توفير حياة كريمة
- الحياة الكريمة بمقاييسك يا أمي، تعني منزل فاخر وسيارة فارهة، ونسخة مطابقة لأبي، بينما كانت تعني لي انسان يكملني و أكمله، لنستعين ببعضنا على هذه الحياة.
- لم يسئ لك ابن عمك قط
- لم يحدثني ابن عمي قط، كما وظف بشركته سكرتيرة، وظف ببيته زوجة يضع راتبها آخر الشهر، مدققا في مواعيد دخولها وخروجها من شركته!
- يفترض أن يكون طلاقك سببا لتحذري في خروجك ودخولك، ألا تخشي كلام الناس؟
تبسمت شريفة وبأسى قالت:
- هناك جهة واحدة فقط أراعيها، سواء أكنت مطلقة يا ماما أم لا، وهي (الله) وما دمت لا اغضبه فلن أكترث للقيل والقال، معنى الطلاق أن مشروعا لم ينجح بين اثنين وانتهى، لا يعني أن حياة أحدهما قد انقضت!
هدأت الأم بعد ان لاحظت بعيني ابنتها دموعا، وهمست بحنان:
- صدقيني أنا لا اريد سوى سعادتك
احتضنتها وهمست لها:
- اذا ماما اتركيني أحيا وفق قناعاتي، فحتى الله لا يجبر الانسان على الايمان به، وهو الحق المطلق!
لم تعد تملك هذه الام سوى القبول بشخصية ابنتها، صارت تدرك أن تتابع الأحداث أكسب شريفة تجربة ضخمة أثّرت كثيرا بتوجهاتها وصقلت شخصيتها، اليوم صارت شريفة تعرف ما تريد!
توجهت شريفة لفراشها بعد أن ضبطت المنبه على وقتها المعتاد لتتوجه للعمل، الا أن هاتفها ظل يرن بإلحاح قبل موعد الاستيقاظ، فتحت عينيها بصعوبة لتقرأ اسم زهراء في هاتفها، دق قلبها بقوة، "يا الهي ما الذي حصل في هذا الفجر؟) بسرعة فتحت الهاتف:
- ماذا هنالك يا زهراء؟
- بسرعة تحركي اركبي سيارتك وتعالي للمنزل
- .... ماذا هناك؟
- خالك سيعود بعد قليل ..
قفزت شريفة على سريرها فرحا، "خالي علي أخيرا سيعانق الحرية"، بسرعة لبست ملابسها وخرجت، كانت والدتها تستعد للصلاة، همست بأذنها " لقد أفرج عن أخيك وأنا ذاهبة لمعانقته، هلا تأتين؟"، نظرت لها أمها بدهشة، كيف تحولت هذه الفتاة لهذه الدرجة من الجرأة؟؟ رمقتها بنظرة فتبسمت شريفة "كنت أمازحك ماما" قبلتها على خدها وأشارت لها بيدها مغادرة.
كانت القرية كلها تكتسي بالزينة، منذ مدة وهذه القرى قد غادرها الفرح، حمل الصبية بأيديهم عددا من الأبواق وصاروا يدقون النغمة المعهودة مرارا وتكرارا، وكأن سماء القرية كلها تهتف بذات شعار النغمة، ضحكت شريفة مع الأطفال المحيطين ببيت خالها، فجأة جاءت السيارة التي تحمله، بينما كان يطل من سقفها ملوحا، حمله الشباب على الأكتاف وصارت نساء القرية يزغردن، نزل الحاج علي واحتضن زوجته وبناته، فانتحبت زوجته "كان خروجك لينقذ والدتي من مصيرها" لم يستطع علي أن يوقف دموعه، فقد قتلت نفسها تلك الحنونة التي لطالما رفقت به في شبابه، ورعت زوجته وبناته في غيابه، كان لشريفة نصيبها من العناق، كم تحب هذا الخال، كم صارت متعلقة به، لقد استثمرت غيابه في قراءة كل مقالاته، ولطالما جلست في مكتبته تنتقل من كتاب لآخر، حتى ظنت أنها صارت قادرة على قراءة خالها بسهولة، لم يدخل الحاج علي لبيته إلا بعد أن ذهب لقبر عمته أولا ليقرأ سورة الفاتحة.
جلس الحاج علي في فناء منزله الكبير، يستقبل الأهالي والمعارف الذين جاؤوه من كل البلاد، ومع ارتفاع أذان المغرب قل توافد الناس على المنزل، فاستأذن شاب للدخول عليه، فتحت له الباب زهراء:
- تفضل البابا بانتظارك أيها الأخ.
دخل شاب فارع الطول, حنطي اللون يميل للاسمرار، كان يعتمر قبعة ونظارة شمسية رغم غروب الشمس! لفت منظره كل بنات الحاج علي بما فيهم ابنة اخته، سلم على الجميع ثم احتضن الحاج علي بقوة :
- لم تعرفني أليس كذلك؟
- ذكرني بك يا ولدي .. هل اعرفك؟
- أنا فضل ... فضل صديق حسن يا حاج علي
تسمرت شريفة في مكانها، شعرت أنها تريد أن تلقي بنفسها هناك بالقرب منه، لتصرخ بوجهه "لمَ كل هذه القطيعة!!" لكنها كانت أجبن من ذلك بكثير، ظلت تراقب كيف أعاد خالها احتضان فضل بقوة، وكأن ثمة علاقة وثيقة بينهما!! جذبتها زهراء:
- ما بك؟ لم تسمرت بمكانك هكذا؟
فهمست لها:
- انه فضل
أدارت زهراء رأسها سريعا باتجاهه ..
- فضل ... فضل .. فضلكِ
- فضل ..  فضل .. فضلي
انفجرت زهراء ضاحكة :
- فجرت رأسي بالبحث عنه ثم ببساطة ها هو أمامنا ..
وبلؤم أكملت : ولن تستطيعي محادثته
ضربتها على ذراعها:
- ما رأيك أن اذهب لمحادثة خالي وتذهبين لتطلبي من فضل أن يتواصل معي
- والله؟؟ ما رأيي؟ ارفض
نظرت لها شريفة بتوسل شديد بينما زهراء تهز رأسها رافضة ذلك الطلب.
بعد المغرب هدأت حركة الزوار كثيرا، فجلست الفتيات حول الحاج علي ليسمعن تفاصيل السجن والزنزانة والمعتقل، فسألته زهراء عن هذا الشاب الذي احتضنه بقوة فأجابها:
- انه صديق حسن، آه كم اشتقت لحسن، لقد تركز التحقيق معي حوله، وتمكنت بعون الله من إيصال رسالة له بينما كنت في المعتقل، بأن يغيب تماما وأن يبتعد عن كل أجهزة الاتصال، فقد تعقبوا حسن عبر هذه الأجهزة وخشيت عليه كثيرا
- فلماذا جازف وحضر لهنا؟
- يقول أنه بالإفراج عني صار يشعر بأمان أكثر لكني حذرته طبعا
- خالي ألا يمكننا مساعدته؟
- لا يا عزيزتي لن نتمكن من ذلك فقد كشف أمري ولم يعد بيتي آمنا بعد اعتقالي، لقد أنبته لقدومه هنا أخاف أن يكون المنزل مراقبا فيترصدوه 
عادت شريفة للمنزل، كانت قلقة لكن تسكن خلايا روحها بعض الطمأنينة، انه بخير والحمدلله، لكن عقلها وضميرها وربما قلبها، ما انفك يفكر في السبيل لإنقاذ فضل مما هو فيه، كيف يمكنها ذلك؟ أصلا كيف تتواصل معه حتى تتمكن من مساعدته!
فتحت تويتر كعادتها منذ أشهر لتغرد وتتفاعل وتحكي عن ظلامات هذه الأرض، انتبهت لوجود رسالة خاصة .. ظلت واجمة تفكر :
- أتراها منه؟؟؟
بقلق شديد فتحت شريفة الرسالة:
(اعتذر جدا على التأخير إلا ان خالك علي حذرني تماما من استخدام أي جهاز اتصال كما انه حذرني من التواجد بقربه بأي طريقة كانت فاضطررت لعدم مراسلتك .. أنا آسف يا شريفة كنت افتقد الحديث معك كثيرا، وكم ضعفت في مرات لأشرع في كتابة رسالة لك، لكني في اللحظات الأخيرة أتذكر قَسَمي للحاج علي فأتراجع)
بسرعة شديدة وبينما الدموع تتحادر من عينيها، وكأنها كانت تخشى ان يختفي فضل مجددا ردت عليه:
(لم يعد منزل خالي علي آمن،  لكن خطرت ببالي فكرة جيدة من أجل مساعدتك على الاختباء، صدقني لن تجد وسيلة أكثر أمانا منها فإقبل يا فضل مساعدتي أرجوك)
أجابها:
( لم يعد أمامي الكثير من الخيارات هاتي ما عندك)
لكن قبل أن تجيبه كتب لها :
( يبدو أن الأوان قد فات .. امسحي كل المحادثات بسرعة) ..
لم تعرف شريفة كيف تتصرف؟ هل تسأله ما الذي حصل؟ هل تنتظره؟ اكتفت بتنفيذ ما طلب منها، مسحت كل المحادثات، وصارت كل دقيقة تحدث صفحة التويتر دون أن تجد أي خبر جديد ..
بحزن تمتمت شريفة "يبدو أنه مقدر علي يا فضل أن أكون دائما بعيدة عن مساعدتك"!
ألتقيكم في الحلقة القادمة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* صورة رقم (1) تعود للحاجة بدرية احدى ضحايا المداهمات الليلية والتعذيب العلني.
** هذه ليست قصة ابتدعها خيالي، بل هي واقعة حقيقية  اقتبستها لامرأة بحرانية هي الحاجة بدرية تستطيعون الاطلاع عليها عبر الوصلة: 

http://mirrorbh.no-ip.org/news/2767.html

الثلاثاء، 13 يناير 2015

قصتي : حب في ن السياسة (7)

 
صورة رقم (1)
 
 
صرخت شريفة بصوت عالي
- بسم الله الرحمن الرحيم ماهذا؟ مالذي يحصل؟
ضحكن عليها بنات خالها:
- هدئي من روعك، إنها أصوات الحياة في هذه القرية.
كانت الأصوات تهدأ قليلا لتعود بشكل قوي، تتتابع أحيانا حتى تقفز من شدة خوفها، ثم بدأت رائحة خانقة بإحاطة الفتيات، ليبدأن في السعال، فجأة تذكرت زهراء أن هذه الرائحة من الممكن أن تقتل ابنة عمتها، بسرعة احتضنتها ووضعت على فمها كمامة بينما كانت تجرها لداخل المنزل.
ضحكت على نفسها هازئة منها، "إنها أصوات الخوف التي إعتادها أطفال هذه القرى قبل كبارها، لقد أرعبتكِ يا شريفة لأنكِ تقضين وقتكِ في بيت هادئ، تكاد لا تتسرب إليه رائحة قمامة، فضلا عن رائحة القنابل المسيلة للدموع، للأجنة والرجال والنساء، الذين سلبتهم هذه الغازات أنفاسهم حق ليستسلموا لها، إنها كأفعى أحكمت بجسدها على رقبة انسان حتى لفظ أنفاسه الأخيرة!)
هدأت الأصوات، توقفت التكبيرات وكذلك توقفت أصوات الطلقات، أصابتها سرعة الرد على التكبيرات بالطلقات بالدهشة!
ماذا لو شاهدت بأم عينيها إذا، كيف سلبت الطلقات ووحشية المطلقين، حياة انسان كان يكبر!! يكبر فحسب!! لله در الشهيد هاني عبدالعزيز، كان يتوجع مثلكِ وأكثر، ويبحث عن راحة بين صيحات التكبير، فوهبه الله الراحة الكبرى، شهادة سيتذكرها توأماه مدى الحياة، يقصان للأجيال عن قاتل مجرم دمه في غاية البرودة، يقف في اليوم مكبرا خمس مرات، قتل هاني مستكثرا تكبيره للمرة السادسة!!
 
 
صورة رقم (2)
 
تأخر الوقت واقتربت الساعة، لا بد لهذه المسكينة أن تعود لبيتها، ذلك البيت الذي يملأه الجليد، بدأت تستعد للعودة لكنها انتبهت لزوجة خالها، وهي تحرك يديها سعيدة، بينما تتحدث في الهاتف:
- نحن بخير ياعلي أرجوك أخبرني أين أنت..
ثوان وغادرتها البسمة، تحلقت حولها الفتيات بما فيهم شريفة:
- ماذا قال لك البابا؟
- لا شئ سوى أنه بخير وربما ينقل للنيابة العامة اليوم أو غدا
حمدت الفتيات الله كثيرا، فأن ينتقل انسان في هذه البلاد، من العدم لزنزانة، تعني ببساطة أن الله قد وهبه عمرا جديدا، لكن لا زالت الأخبار منقطعة عن الشاب حسن جواد، إمتلأ المنزل بالدعاء، كل ما أراده أهل هذا البيت، أن يكون هذا الشاب بخير، بينما شملت شريفة في دعاءها فضل الغائب الذي لا ينسى!
عادت شريفة للمنزل، بينما قلبها الممتلئ بالوجع يغلي غضبا، كيف تقبل أن تستظل بظلٍ واحد مع انسان كفهد؟ كيف تغفر له وقاحته بهتك حرمة دار خالها؟ كيف تتغاضى عن ضربه له، وهو الرجل الكبير ذو الوقار؟ وكيف تواصل أمها جريمة الصمت على فظاعاته؟؟
بمجرد أن فتحت باب البيت، كان هو بوجهها مباشرة، أسنانه تلمع بين شفتيه ببسمة لئيمة، اقترب منها هازئا، هذه المرة لن تكون هي تلك الفتاة المسكينة التي يهزأ منها شقيقها، لأنها تشبه أهلهم الذين يتبرأ منهم، ولن تقبل أن تكون تلك المطلقة التي يعايرها شقيقها وكأنها أجرمت ذنبا لا يغتفر، لاحظت والدتها من بعيد وهي تتصفح القرآن الكريم فرفعت صوتها، وهي تنظر بغضب لشقيقها:
- ماما .. هل قرأت في قرآنك قوله (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا
رفعت الأم بصرها نحو ابنيها، فتيقنت أن ثمة معركة على الأبواب، أسرعت نحوهما :
- مالذي يحصل هنا؟
- أجيبي سؤالي ماما هل تراك قرأت هذه السورة يوما؟
تحيرت الأم، هل حقا تريد منها شريفة اجابة أم أنها ترمي لشئ ما؟
- طبعا قرأت
- اذا علمي طفلك المدلل هذا معنى القاعدة القرآنية التي قرأتِها
بسرعة رفع فهد يده، ووضع اصبعه على رأس شقيقته:
- بإمكاني أن أكسر رأسكِ فكفي عن التعجرف
- أكف أنا عن ماذا؟ وهل تركت لأحد تعجرفا؟ لقد نفذت الكمية بعد أن حُقنت بدمك.
ساد الصمت بضع لحظات، يبدو أن الإثنين متفاجئان جدا من شريفة التي تقف أمامهما مباشرة، حتى كادا يسألان بعضهما عنها! توجهت الأم بالكلام نحوها:
- ماذا دهاكِ ياشريفة؟ تأدبي وأنت تتحدثين بحضرت أمك
- وفي غيابك يا ماما؟ هل نتأدب أم مسموح لنا أن نهتك حرمات البيوت، وأن نعتدي على أصحابها كما يفعل ابنك
- ابني يمارس عمله فلا تشيطنيه بإلباس حديثك لباس الدين
- وعمله أن يدخل منزل شقيقك ويجره من شعره ويرطم رأسه في الجدار!!!!
نظرت الأم نحو ولدها غاضبة:
- هل حقا فعلت؟؟
بلا اكتراث أجابها:
- ومنذ متى تعلم ابنتك بأخبار هذا المخرب؟
- أجب سؤالي يافهد؟ هل فعلت ذلك؟
- للتو أخبرتِ ابنتك أني كنت أمارس عملي
- لقد وعدتني بعدم الإقتراب من أهلي
تمتمت شريفة بقهر:
- هل المشكلة الوحيدة أنه دخل منزل أهلك؟؟ لا بأس إذا أن يدخل منازل الآخرين يا أمي؟؟؟
بكت شريفة بحرقة:
- هل تعرفين أن الناس تقول أنكِ صعنتِ وحشا ياماما؟
رفع فهد كفه عاليا ليُوقعها على خد أخته، إلا أنّ كف والدته نحو خده كان الأسرع، زمّجر وتوعّد وهدّد وكسّر محتويات البيت ثم دلف لخارج المنزل
لم تتحدث شريفة مع أمها، كان يكفيها ما جرى، أحكمت إقفال غرفتها عليها، وتركت أمها تغوص في أمواج التناقض الذي تحياه، بينما فتحت تويتر، وصارت تغرد عن خالها علي، لقد تفاجأت بحجم التفاعل من الناس مع قضيته، وطبعا لم تترك تويتر إلا بعد خطّت لفضل رسالة:
(لا زلت أقف لله كل يوم، أناجيه باسمك، أسأله أن تكون بخير فقط، لقد اعتقلوا خالي وحسن وصاروا يطلبونك، فضل أنا بحاجة ماسة للحديث معك، يكاد عقلي يجن، وتكاد روحي تلفظ أنفاسها الأخيرة، لو علمت يا فضل كيف تعيش شريفة؟ آه لو علمت من شريفة؟ آه يا فضل آه من هذه الدنيا القاسية، فقط أريد أن أُذكرك بأمر، أنا قادرة جدا على حمايتك واخفاءك، فأرجوك أرجوك تواصل معي أو مع زهراء أستحلفك بالله وبكل ما تحيا من أجله في هذه الحياة)
 
لم تتمكن الأم من النوم، انتظرت زوجها حتى عاد:
- طلبتُ منك أن لا تدخل فهد السلك العسكري
- ماذا جرى يا زينب؟ فهد يعمل منذ ست سنوات ما لذي يدعوكِ لهذا الحوار الآن؟
- ابنكَ هو من داهم منزل شقيقي واعتدى عليه بالضرب قبل أن يعتقله
- أخيك يمارس أعمال خارج القانون، ووظيفة ابنك تقتضي حمايته، عليكِ أن تفخري بابنك
- وهل حماية القانون يعني أن نعتدي على البيوت وساكنيها؟؟
- حبيبتي طلبتُ منكِ مرارًا أن تبتعدي عن هذه الأمور، هل تعجبك حالة الطوارئ التي تعيشينها؟ أنظري لنفسك في المرآة أين جمال زينب الذي أذهلني؟؟
أغمضت عيناها وزفرت، تعرف أن النقاش مع زوجها مآله لأمران لا ثالث لهما، إما كما انتهى حوار اليوم لأن مزاجه هادئ، وإلا سينتهي كما انتهى مع فهد بتكسير محتويات المنزل، وفي الحالتين تكون هي الخاسرة!
 
انتهت شريفة من عملها مبكرا، واستأذنت للخروج متجهة لمنزل خالها، وذلك للاطمئنان على عمته التي ساءت حالتها كثيرا بعد مشهد اعتقاله، لقد أحيل خالها للتوقيف على ذمة قضية تستر، بينما نقل الشاب حسن للسجن، بعد وجبات تعذيب دسمة تناقلت تفاصيلها الشبكات الإخبارية الشعبية، ليقضي فترة حكمه الظالم، خمسة عشر عاما بتهمة ملّ الناس تكرارها، شروع في قتل رجال الأمن، مضافا لها عدد من التهم التي يستطيع أصغر طفل، في أصغر قرية من ترديدها، قبل أن تحرك السيارة تملكها شعور ملح بإلقاء نظرة على هاتفها، لا زال الأمل يسكن قلبها، مادامت قوائم المعتقلين خالية من اسم فضل، فلا بد أن يتواصل معها يوما.
وصلت لبيت خالها قبل موعد الغذاء بقليل، تناولت معهن طعامها وقد تمكنت من محادثة خالها الذي صادف وجودها اتصاله، لقد كان متماسكا قويا كعادته، همست له "اعذرني يا خالي فنحن لا نختار أشقاءنا" ضحك معها ممازحا "ربما أشكره لأنه تسبب بلقائي مجموعة من أحبة طال بي فراقهم، لا تربطي نفسك به، انت شريفة وهو فهد، وشريفة ليست ولن تكون فهد يوما".
 
بعد فترة جاءتهن أصوات التكبيرات من الخارج، وصارت القرية تصدح بالشعارات، إنها المسيرة اليومية التي تعوّد الأهالي على تسييرها، استعدت الفتيات للحاق بها، هذه المرة شريفة أيضا استعدت لكن قبلهن، أحضرت علمها من سيارتها، وغطت نصف وجهها، ولبست حذاءها الرياضي، نظرت إليها زهراء نظرة لا تفهمها إلا شريفة، فاقتربت من أذنها وهمست:
- هذه المرة أنا ذاهبة يا ابنة خالي، إما أن ترافقيني يحمينا الله، والا أذهب دونكِ ووليي الله، أنتِ من تختارين.
نظرت إليها زهراء بفخر، لم تنبس ببنت شفة، فقط اكتفت باحتضان ذراع ابنة عمتها وتوجها مباشرة نحو المسيرة.
كانت شريفة تستشعر أمرا لم تجربه يوما، قد يكون اسمه الحرية، تلك التي كاد الناس يلمسون جوهرها بميدانهم الذي سلبوه قسرا، ربما .. فحين تكون مسلوب الإرادة، خاضع حتى كأنك جسد بلا ذراعان يعملان، ولا رجلان تتنقلان حينها فإطلاق بضع كلمات من حنجرة مخنوقة تتحدى بها الطاغوت، هو هو ممارسة الحرية بطعمها اللذيذ.
بينما كانتا تسيران بترقب، تنتظران اللحظة التي يعرفها الجميع، حين تنقضّ وحوش بشرية تحت مسمى تنفيذ القانون، لتعتقل من تعتقل وتجرح من تجرح، سمع الجميع أصوات سيارة الإسعاف، صَمَتَ الصوت من السماعات الصادحة، وساد صمت مخيف أجواء القرية، كلٌ كان يتساءل ما لذي يجري؟ حتى جاءت الأخت الصغرى لزهراء باكية "أسرعي يا زهراء أسرعي في بيتنا كارثة"!!
 
ألتقيكم في الحلقة القادمة ...
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* صورة رقم 1 : تشرفت بالتقاطها شخصيا في احدى مسيرات العودة للميدان بمنطقة الديه.
* صورة رقم (2) : اعتذر لبشاعة الفعل في الصورة لكنها صورة حقيقية للشهيد هاني عبد العزيز الذي استشهد برصاص الشوزن بعد ملاحقته من قبل رجال الأمن التابعين للنظام بسبب ارتفاع صيحات التكبير في قريته البلاد القديم في مارس عام 2011

الاثنين، 12 يناير 2015

قصتي : حب في ن السياسة (6)




عادت لمنزلها مضطربة جدا، بمجرد أن وصلت للبيت سألت والدتها:

- ماما هل سمعت أخبارا عن بيت خالي أو عن قريتك؟
- أخبار مثل ماذا يا شريفة؟
- أية أخبار؟؟
- لا شئ

أسرعت لغرفتها، وقبل أن تنزع حجابها، أمسكت هاتفها وصارت تبحث بين صفحات تويتر عن أخبار اليومين الماضيين، لم تصدق ما شاهدته عيناها!!

* (اعتقال الناشط الستينيي علي بعد مداهمة منزله واعتقال المطارد المهدد بالتصفية (حسن جواد) اثر كمين مخابراتي وقد تعرض كلاهما للضرب الشديد أثناء اعتقالهما، ولا زالت آثار الدماء واضحة على جدار احدى الغرف)

انتحبت شريفة حتى كان يُسمع صوت بكاءها، أسرعت والدتها لغرفتها، طرقت الباب مرارا دون أن تجد جواب:
- شريفة افتحي الباب ماذا حصل اخبريني؟؟

بصعوبة فتحت الباب لوالدتها، احتضنتها مستفهمة عن سبب بكائها، لم تتمكن شريفة من الكلام واكتفت بإعطاء أمها الهاتف لتقرأ الخبر بنفسها، أطرقت وهي تمسح على رأس ابنتها:

- اهدئي يا حبيبتي، لقد اختار خالك طريقا شاقا مليئا بالشوك، وهو يعرف صعوبته وألمه، ان شقيقي علي قوي جدا ومعتاد على الاعتقال، نعم لقد كبر على المعتقلات والتعذيب، لكن لا تظني أنه سيضعف أو يجبن أو يبكي، كوني على ثقة بقوة خالك، لقد اكتسب قوة والدنا كاملة حتى لم يترك لوالدتك شيئا.

قضت شريفة نهارها وهي واجمة تفكر، (ان كان قد اعتقل خالي، فما معنى الكلام الذي كتبته زهراء؟ حسنا أين فضل؟ لم اختفى تماما؟), لم يكن الاستلقاء ليجيب عن أسئلتها الكثيرة، ومتى أُوحي لغير الأنبياء؟ كما يسعى المرء لقوت يومه ولطلب علمه لا بد أن يسعى أيضا للفهم والبحث والسؤال، نفضت الكسل عن جسدها ولبست حجابها وخرجت من غرفتها عازمة، استوقفتها والدتها:

- الى اين؟
- ماما اذا كنت قد اعتدت على أن يظلم شقيقك فتصمتين، أنا لا أريد أن أعتاد بأن يظلم الانسان أي انسان فألتزم الصمت، وهذا خالي، دعواتك ماما

لم تعد هذه الأم قادرة على السيطرة على زمام حياتها، زوج مشغول في تجارته، وابن متعجرف ينظر للجميع بدونية، الجميع حتى والدته، واليوم كبرت شريفة أيضا، وها هي تقارعها الحجة، وتقرر دونها شؤون حياتها، أدارت الأم رقم صديقتها "عمة أبنائها" وطلبت منها الحضور للبيت:

- تعبت يا شيخة تعبت كثيرا أشعر بالفشل يحاصرني من كل جانب.
- ماذا عساي أقول يا أم فهد، أخبرتك مرارا أن الاستسلام التام لأخي له عواقب وخيمة.
- كنت أحافظ على بيتي
- كنت تستطيعين المحافظة على بيتك وكذلك أهلك، لكنك اخترته دونهم، وتركت له الحبل على الغارب، لا أريد أن اقرعك، لكنك تعرفين أني لا يمكن أن أجاملك، انت صديقة عمري ووالله أنك أعز عندي من شقيقي هذا
- ماذا أفعل مع شريفة؟
- اتركيها تفعل ما لم تتمكنِ من فعله، هي ليست طفلة ستتم السادسة والعشرين قريبا، لقد دمرتم حياتها يوما حين كنتم تقررون كل صغيرة وكبيرة فيها، دعوها تفكر وتقرر وتخطأ وتصحح أخطائها وتتحمل مسؤولية قراراتها.
- سيقتلني شقيقك إن علم انها تتردد على بيت شقيقي. 
- سيقتلها لأنها تتردد على بيت عشنا فيه أجمل أيام حياتنا يا أم فهد؟؟

سقطت من عينيها دمعة، وطافت بها الذكريات، حسن الجوار جمع البيتين، حتى صار الأبناء كالأخوة، إلا هي كانت تجد في شباب أبا فهد وحلو هندامه وطموحه التجاري، حلما لطالما حذرتها منه شيخة، شيخة التي كانت تجيد الاصغاء لشقيقها علي، تقرأ مقالاته وتستفهم منه، بل تجادله أحيانا، شيخة التي تزوجت صديقه لأنه كان ذا عقل راجح، وخطاب قوي لتتلاقح جرأتها بجرأته، بينما استسلمت هي لمشاعر كانت تسعدها. 

لم يكن طريق الذهاب لمنزل الخال علي قصيرا كعادته، شعرت شريفة أن الدرب طويل طويل، يرفض أن ينتهي ليريحها من حيرتها وقلقها، كم تتألم وهي تفكر في خالها بين أيدي بشر غلاظ، قصص الاهانة التي كان يلوث بها فهد أسماعهم، كانت تتكرر في مخيلتها وكأنها فيلم رعب بطله خالها والشاب حسن، الذي كان يقيم بمنزل خالها على مدى العامين المنصرمين، لم يكن أحد يعرف بذلك الا ثلة قليلة جدا، فكيف وصلوا اليه؟ ولم اعتقلوا معه خالها؟ وصلت لباب البيت، لكنها عوضا من أن تهدأ زادت توترا، كلمات زهراء ترن في أذنها بصوت عال عال جدا.
قرأت البسملة ودخلت منزل خالها برجلها اليمين واضعة يدها على قلبها، في الظروف الصعبة نحن مستعدون لنصدق كل شي ونعمل أي شئ، الغث والسمين لأننا نكون محتاجين جدا لطمأنة نفس!
بمجرد أن سلمت على الحاضرين، زوجة خالها وبناته، تصنّم الجميع للحظات، وكأن الحياة تجمّدت فجأة، قطعت حالة الجمود تلك الإبنة الكبرى لخالها، بهدوء خاطبتها:
- أهلا شريفة تفضلي
- لم أعرف بالخبر الحزين الا هذا اليوم
لكن زهراء باغتتها:
- لم لم تسألي شقيقك فهد كان ليخبرك
- فهد؟ ومن أين لفهد بأخباركم؟ تعرفين يازهراء أنه لو علم بقدومي .....
قاطعتها زهراء :
- أعلم أعلم مللنا هذه الاسطوانة.

تسارعت نبضات شريفة كثيرا، جلست على الأرض، وبسرعة تناولت البخاخ من حقيبتها ليساعدها على التنفس، نهرت زوجة الخال زهراء وطلبت منها التوقف حالا، أجلست شريفة بشكل صحيح، وصاروا يحاولون تهدئتها، حتى هدأت تدريجيا وأقسمت عليهم بخالها أن يفصحوا لها عن سبب تعامل زهراء القاسي معها، لتبدأ نوبة بكاء مريرة جدا:
- هل أنتم متأكدون من ذلك؟ هل يعقل أن أخي يمتلك هذا الكم من الوقاحة؟
توجهت ببصرها نحو زهراء:
- أدرك شعورك تماما، أنا أيضا أحب والدك وأشعر بالحرقة عليه، زهراء ابنة عمتك لا ناقة لها ولا جمل، هي لا تملك أن تبعد عن وجهها بعوضة، أرجوك لا تكوني قاسية.
تدخلت زوجة الخال وبناته:
- هوني عليك عزيزتي، زهراء لا تقصد هي غاضبة فحسب
- وما ذنبي يا خالة؟
- لا ذنب لك يا عزيزتي لو كان خالك هنا لما سمح بكل ما جرى
بينما هي تتحدث رمقت ابنتها زهراء بغضب وأكملت:
- (ولاتزر وازرة وزر أخرى) هوني عليك وارفعي كفيك بالدعاء واطلبي من الله أن نسمع صوت خالك اذ لا نعرف ما حاله منذ جروه من المنزل.
صاحت زهراء بقسوة:
- أخبروها لا تجعلوها تعيش في الجهل او الاستغفال طويلا، أصدقينا القول يا شريفة، ماذا أخبرت شقيقك المتوحش عنا؟
بهدوء واجهاد أجابتها:
- كنت طوال الايام الماضية في المشفى، وهو عادة لا يزورني ولا يسأل عني، لا نتكلم الا نادرا وعادة اما يتهكم علي أو ينهرني لأتفه الأسباب، زهراء أنا لم أبح بأي شئ لأي أحد، أرجوك أنا لا اتحمل نظرتك هذه، ولا يمكن أن أتسبب بالأذى لخالي، ارجوك صدقيني
رق قلب زهراء لدموع شريفة، فسألتها بلطف:
- حسنا ركزي قليلا، هل أخبرت والدتك مثلا؟ أو ربما نزع هذا الفهد منك هاتفك أو ....
- لم يحصل كل ذلك يا زهراء، لم أخبر والدتي، لم ينزعني هاتفي، لم ألتقيه خلال الخمسة أيام الماضية بل لم ألتقيه خلال الاسبوع المنصرم، أقسم لكِ
بعطف شديد احتضنتها زهراء:
- أنا آسفة أنا آسفة أنا آسفة لكن منظر شقيقك وهو يجر والدي من شعره مزق قلبي، لقد رطم رأسه في الجدار عدة مرات، ان دمائه هناك على الجدران تنبأك عن توحش اخيك ووقاحته، هل يعقل أنه امتلك الجرأة ليدخل منزلنا؟؟ هل ظن أن لثامه سيخفي شخصه عنا؟ لقد ناداه أبي بالإسم ويبدو أنه وعن طريق الخطأ استدار!! لقد ساءت حالة جدتي المريضة بمجرد أن رأت ما تعرض له زوج ابنتها!! أي وحش صنعتِ يا عمتي؟؟

أجهشت شريفة بالبكاء، هي لا تشعر بالوجع لأن خالها ضرب وجر واعتقل فحسب، لكن ماشعورها وهي تتحمل ذنب دماء استحالت لماء؟؟ لماذا كان فهد على هذه الشاكلة؟ لماذا عليها أن تتحمل دناءته منذ الصغر حتى اليوم؟ كاد ينفجر قلبها غيظا وألما، شريفة تمتلك بداخل صدرها بركانا ينتظر أن يتفجر!

كانت تشعر بالإعياء ويبدو أنه من الصعب عليها أن تركب سيارتها، وتتجه لمنزلها الذي يشاركها فيه هذا الوحش البشري، كانت تشعر برغبة شديدة للبقاء في منزل خالها، لكن كيف تفرض عليهم وجودها؟ كيف تعرضهم لخطر عربدة ِشقيقها وأبيها "مجددا"، الأفكار والمشاعر تزدحم بداخلها، فجأة سمعت أصواتا مريحة جدا :

- الله اكبر الله أكبر الله اكبر الله اكبر الله أكبر الله اكبر الله اكبر الله أكبر الله اكبر

 


كانت أصوات التكبير تنبعث من كل مكان، من مآذن المآتم والمساجد، من مكبرات حملها الصغار في الشوارع، من أسطح البيوت ومن الأزقة، أغضمت عينيها وصارت تتنفس هواءا نقيا، توجهت كل الفتيات للسطح لتشاركن في التكبير، فلحقتهن شريفة بصعوبة، فتحت شفاهها، أغلقت عينيها، وضعت يدها على أذنها، أطلت برأسها من الجدار، وصارت تصيح:

- الله كبر الله أكبر الله اكبر الله اكبر الله أكبر الله اكبر الله اكبر الله أكبر الله اكبر.

بينما تسمع وتشارك بهتاف التكبير، كان يطوف بمخيلتها فضل، تمنت لو أنها تلقي بنظرها للشارع لتراه مارا أمامها، حاملا مكبر الصوت صادحا بهتافات التكبير"أين تراها أراضيك؟"، كان يطوف بمخيلتها خالها، تمنت لو تسمع صوته ليخبرها أنه لم يجلس في غرف التحقيق مقابل أخيها، وأنه لم يتعرض للتعذيب بسياط فهد، وبأنه قادم للبيت هذه الساعة، كان يطوف بمخيلتها صوت والدتها، يطلب منها البقاء ببيت خالها حرصا عليها، كانت تتخيل أن أكف بنات خالها تمسك بكفها، وتتعلق بأذيالها وتمنعها من العودة لمنزلها، لكن أصوات قوية شقت جمال أمانيها, وأضعفت أصوات التكبير، للحظة ظنت شريفة أن منزل خالها يتعرض للإقتحام، هل يعقل أن شقيقها اكتشف مكانها، وجاء لمحاصرتها هنا؟؟!


ألتقيكم في الحلقة القادمة ...

قف.. فكر.. قرر بوعي

  نسمع كثيرا عن مفردة (الوعي) ونُدعى كثيرا لأن نكون (واعين) بل وحتى في أحاديثنا المعتادة نطالب أن يكون الآخر مالكا-لوعايته الكاملة (تعبير دا...