ابحث في مدونتي

الأحد، 11 يناير 2015

قصتي : حب في نون السياسة (5)




توسطت شريفة جلسة أفراد العائلة في بيت خالها، كم تفتقد هذه الأجواء العائلية، حيث يخوض الجميع في نقاشات متنوعة، شيء من السياسة وشيء من المزاح، أحيانا يحتد النقاش حتى تظن أن أبناء خالتها سوف يتشابكون بالأيدي، لكن خالها دائما ما يمسك بزمام الأمور، لتعود البسمة على مائدة الغذاء صادقة شفافة، ها هي ذكرى الثورة تتجدد، لتنقلب البلاد رأسا على عقب، سئمت شريفة كثيرا من روتينها اليومي الجاف، هذه المرة قررت أن تطلب من صديقتها وابنة خالها زهراء أمرا:
- بودي أن أطلب منك طلبا، لكني أخشى أن تخجليني.
- طلباتكِ كما يقول خالكِ أوامر يا ست شريفة، والله صرت أخشى أن تصابي بالغرور.
- كفي عن ذلك تعرفين أني لا يمكن أن أصاب بالغرور أمامكم يا أشرف الناس، وهل تصاب بالغرور مثلي؟!
احتضنتها زهراء:
- كانت مجرد مزحة، أدرك كم أنت صاحبة نفس سليمة وهنيئا لنا بكِ
- زهراء، أريد ان أرافقك هذه الجمعة.
- ترافقيني؟ الى أين تقصدين؟
- ......................
فتحت زهراء عينيها اندهاشا:
- هل أنتِ جادة؟ والله لو أصابكِ مكروه واكتشف والدكِ أني من أخذتكِ لهناك لأطار رقابنا من على رؤوسنا، جنت ابنة عمتي رسميا!!
- وهل أنت مجنونة يا زهراء؟
- نعم أنا مجنونة ابنة مجنون مالك والمجانين يا شيخة.
حزنت شريفة كثيرا، كانت تعرف أن زهراء لن توافقها في ما تريد، ليس لأنها غير مقتنعة لكن لأنها تدرك عواقب مرافقة شريفة لها، "شقيقي فهد ووالدي يقيدان يديّ حتى وهما غائبان"، عادت شريفة لمنزلها كئيبة قد غشيها الحزن، فتحت صفحة التغريد وأرسلت ل(فضل) رسالة، مؤخرا عاد فضل للتغريد بشكل منتظم، بعد أن توقفت المداهمات على منزله، حتى صار يظن أنه بات في مأمن من الاعتقال :
( السلام عليكم ..
لقد بائت محاولتي بالمشاركة في احدى المسيرات بالفشل، زهراء ترفض تحمل مسؤولية مرافقتي لها خوفا من اهلي، أكاد أختنق فبينما تضج الدنيا بالشعارات، أظل أسيرة رغبات أهلي
أعرف أني خذلتك فإعذرني)
أجابها فضل:
( عزيزتي شريفة ..
لا أتذكر مرة أني طلبت منك المشاركة في المسيرات حتى تشعرين بأنك تخذليني، أنا فقط كنت اتسائل من باب التعرف على شخصك، عموما من الجيد أن تراعي رغبات والديك، لكن ألا تعتقدين أن الاستسلام تماما وأنت فتاة على أعتاب السادسة والعشرين من عمرك لآراء ورغبات الآخرين أمرا يدعو للمراجعة؟)
نعيش خلطا واضحا في مفاهيمنا الإسلامية، فالله يدعو لأن نحسن لآبائنا لا لأن نقبل بإستعبادهم لنا؛ (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا)!!
شغل بالها ما قاله فضل "نعم حتى متى أظل حبيسة رغبات والدي ولماذا لا أجس نبض والدتي؟ لعل هذان العامان قد غيّرا من خوفها شيئا"، بمجرد عودتها من عملها في اليوم التالي، طلبت شريفة الإنفراد بوالدتها :
- ماما هل تعرفين أن بنات خالي دائما ما يشاركن في المسيرات؟
- ابن الوز عوّام يا ابنتي، لا أحتاج لأعرف ذلك أنا متيقنة منه.
- اممممم ، وما رأيكِ في ذلك؟
- عامان مضوا وهذه المسيرات لم تتوقف، ماذا حصد الناس غير البلاء؟ ماذا لو توقفوا عنها لعل الاعتقالات والمداهمات تتوقف، والله جنوا على أنفسهم وعلى الآخرين، هداهم الله وفرج عنا.
فقدت شريفة الأمل في أن توافق والدتها على حضورها للمسيرات، كانت تأمل أن تحمل موافقة والدتها لزهراء لعلها تقبل بمجازفة مرافقتها، لم تذهب شريفة كعادتها لبيت خالها هذا الخميس، فهاتفتها زهراء:
- أينك؟ خالك وخالاتك وأبنائهم يسألون عنكِ؟ هل علم والدكِ عن حضوركِ شيئا؟ هل جبنت عمتي مرة أخرى ولم تسمح لك بالحضور؟
- لا ..
- اذا؟ ....
- أشعر بالتعب، ربما أستعد لنوبة مرض جديدة
- لا بأس عليك عزيزتي، تعرفين أنا لن نتمكن من زيارتك في المشفى، فأرجوكِ انتبهي لنفسكِ، ولا تغيبي علينا، نفتقد وجودك كثيرا
بعد أيام أُدخلت شريفة للمستشفى، كانت تعبة جدا وقد أخبرت فضل أن لا يقلق عليها في حال أنها لم ترد عليه، فهي ترقد بالمستشفى وقليلا ما تساعدها شبكة الهاتف للدخول لعالم التغريد، في صبيحة يوم آخر، طُرق باب غرفتها ليستأذن بالدخول عامل آسيوي يحمل باقة ورد زاهية الألوان، ابتسمت شريفة متسائلة :
- عفوا أيها الأخ .. من أين أتيت بالباقة؟
أشار للبطاقة المرفقة بالباقة واستأذن خارجا، فتحت شريفة البطاقة وصارت تقرأ:
( يبدو أنني اعتدت مراسلاتك جدا لدرجة أن عالم التغريد صار خاويا رغم حالة الفوران التي لا تهدأ عبر صفحاته .. كوني بخير
ف.ح.ج)
يقول الشاعر المصري فاروق جويدة :


حلمنا بأرضٍ تلم الحيارى
 وتأوي الطيور وتسقي النخيل
رأينا الربيع بقايا رمادٍ 
                               ولاحت لنا الشمس ذكرى أصيل
   حلمنا بنهرٍ عشقناهُ خمراً
رأيناه يوماً دماءً تسيل
             فإن أجدب العمرُ في راحتيَّ               
فحبك عندي ظلالٌ ونيل
وما زلتِ كالسيف في كبريائي
يكبلُ حلمي عرينٌ ذليل
وما زلت أعرف أين الأماني
وإن كان دربُ الأماني طويل


قد تساعدني هذه الأبيات، لأصف شعور شريفة التي إغرورقت عيناها بالدموع، من أين يتعلم الانسان الوفاء؟ وكيف يجمع جرح الوطن أبنائه؟ بلدي الحبيب على قدر الوجع نحتضنك ولأن أيدينا لاتتسعك فلا بد أن نعانق أيدي بعضنا لنغوص في حبك.
بينما تستعد شريفة لتغادر المشفى، حالفها الحظ لتلقي نظرة على عالم تويتر، لم تجد من فضل ردا على رسالة الشكر التي بعثتها له بعد أن أرسل باقة الزهور لها للمشفى، كان أمرا غريبا اذ مرت ليلتان منذ راسلته، ذهبت لصفحته على تويتر تبحث عن تغريداته، فوجدتها قد توقفت مجددا! "يبدو أن هناك ما حصل؟!! مالذي تسبب بغيابه مجددا؟؟ هل تراه عاد لأيام المطاردات؟ هل دوهم منزله؟؟؟ كانت لتخبرني زهراء، إذا ماذا جرى؟ ربما كان مريضا؟ ربما لا يمتلك ثمن تفعيل خط الانترنت؟ ماهذه الاسباب الخاوية يا شريفة؟ لا بد أن أمرا حصل لفضل، لا يمكن أن يغيب هكذا فجأة دون أن يطمأنني بأنه مضطر للغياب، أما أن يغيب هكذا على حين غرة فليس من عادته!)، للحظة انتبهت شريفة لغياب ابنة خالها زهراء أيضا! "يومان كاملان بلياليهما ولم تهاتفني أو تترك لي رسالة عبر برنامج "الوتسب" الذي لا نمل من الحديث عبره!!"، تيقنت شريفة أن هناك مكروها ما قد حصل، غريب غياب فضل وانقطاعه لكن الأغرب غياب زهراء معه بذات الوقت! كيف السبيل لمعرفة ما جرى ووالدها هو من ينتظر ليقلها للبيت هذه المرة!!
فتحت برنامج الوتسب، وجدت أن زهراء متصلة فعلا، كتبت لها:
- أينك عزيزتي؟ لقد خرجت من المشفى ولا بد أن أمركم قريبا جدا، فقط أحتاج أن أطمئن هل أنتم بخير؟ ولمَ انقطاعك عني؟
كانت شريفة تكتب دون أن تجيبها زهراء، حتى ترجتها أن ترد عليها، فكتبت لها:
- نعم يا ابنة عمتي، اعذريني فقد نسيت أن أشكر لك هدايا الليل التي جاءتنا منكم!
دق قلب شريفة بقوة، في لهجة ابنة خالها كمية غضب لم تعهدها منها قط!
ألتقيكم في الحلقة القادمة.

قصتي : حب في نون السياسة (4)









- لكنه اعتذر عن التواصل معي, يبدو أنني لن أعرف عنه إلا حين يعتقل أو ....

- كفي عن التشاؤم, لدينا اسمه أليس كذلك؟ ابنة خالك ستتصرف.

عادت شريفة لمنزلها بشيء من الاطمئنان, هي تثق كثيرا في إمكانيات زهراء, فهي ذات علاقات واسعة وحتما ستتمكن من مساعدة "فضل", (ربما لن أتمكن من التواصل معه, لكن لا يهم المهم أن يكون بخير هو وكل شبابنا), هكذا طمأنت شريفة نفسها, هي تشعر بالانتماء الكامل لهؤلاء الشباب, وحين تنتمي للحق فلا يمكن أن تقبل بالانتماء لما هو دونه, فلسفة إنسانية رائعة.


مضت الأيام دون أن تخبرها زهراء بأي تطور, ولا زالت شريفة حذرة في التواصل مع عائلة والدتها, وها هي عادت للعمل وصارت فرص زيارتها لخالها أصعب, قبلت شريفة بواقعها وانسجمت معه قليلا, لم تعد تلح بالاتصال على زهراء لتسألها عن فضل, انقطعت عن زيارة خالها, ربما لم تكن تمتلك الا عالم التغريد, تتصفحه كل ليلة قبل نومها, هذه الليلة وجدت في حساب فضل تغريدة آلمتها وقضت على قدرتها على التحمل, تغريدة سلبتها حالة الانسجام العاجز الذي استسلمت له, صورة لشاب تائه يجوب الطرقات, تتربص به الأعين وتُزرع له الكمائن, يعيش ذووه وجع فراقه ومأساة استباحة منزله كل حين, لم يتحدث فضل في تغريدته عن نفسه, انها معاناته ومعاناة الكثير من الشباب.


أرسلت له رسالة على أمل أن تلقى منه ردا :

( السلام عليكم ..

أعرف أنك تسطر عبر تويتر معاناتك, يحركك لذلك أنها معاناة الكثير من الشباب, بالله عليكم اسمحوا لنا بمساعدتكم, أشعر أنني عديمة الإنسانية لأنكم تكادون لا تنامون, بينما لدي سقف وأبواب تغلق علي كل ليلة!!)


هذه المرة لم يتأخر فضل في الرد عليها:

(أعرف أن الكثير من العوائل والأسر تتألم لحالنا, وهناك الكثير من المنازل فتحت أبوابها لنا, لكن صرنا نعطي الأولوية للشباب الصغار, هل تتخيلين أنهم صاروا يطلبون حتى من هم في عمر الخامسة عشرة!! شريفة أعدك حين أحتاج للمساعدة فسألجأ للمخلصين أمثالك ... كوني بخير)


فكرت شريفة كثيرا وسريعا جدا, اذ لا يوجد وقت لتفكر فيه, قد يبتعد فضل عن تويتر سريعا جدا, هل تطلب منه ان يتواصل معها؟ ماذا لو سأل عن اسم صاحبة الرقم وعرف من تكون!! خشيت من ذلك كثيرا, هي لا تريد أكثر من مساعدته, لا يهم أن تكون هي المتصدرة للأمر مباشرة, (كفي عن الأنانية الشاب في وضع حرج) نهرت شريفة أناها الداخلية, التي كانت تلح عليها, لتنقض على فضل انقضاضا لتنهل من جمال روحه.


الأنا امتحان أبتلي به الانسان, ولكي يحتفظ بانسانيته عليه في لحظة ما, أن يصفع أناه ليستدير ضميره نحو قيمه فحسب, وهكذا فعلت شريفة:

(أطلب منك وبإلحاح شديد أن تتواصل معنا لمساعدتك, زهراء ابنة خالي علي تنتظر اتصالك بأي وسيلة لعل هناك ما نتمكن من فعله, وهذا رقم هاتفها وبريدها الالكتروني وكذلك حسابها هنا)

 

لم تنتظر شريفة الرد, مسحت المحادثات من هاتفها, ونامت ملأ جفنيها, لا بد أننا بعون الله أيد شاء الله لها ان تتشرف بمساعدة الآخرين.


أيام معدودات حتى وجدت بهاتفها عدد من المكالمات التي لم تنتبه لها, عشر مكالمات من زهراء ابنة خالها علي!!! لعل فضل تواصل معها إذا, استأذنت من العمل وتوجهت مباشرة لمنزل خالها, وبينما هي تتجه للمنزل أعادت الاتصال بزهراء:


- مالذي حصل لم لا تجيبين هل أنت في المنزل؟
- لا لكني كنت أعمل ولم انتبه للهاتف, زهراء مالذي حصل؟
- لقد اتصل بي صاحبك ...
- لا تكملي أنا قادمة لمنزلكم

بسرعة اختبأت الاثنتان في غرفة زهراء, وأقفلوا عليهما الأبواب:


- بسرعة اخبريني, ماذا قال فضل؟
- أخبرني أنه لم يكن ليتصل لو لا أني ابنة علي.
- كنت أعرف انه لن يتصل الا لمن يعرف, لذلك لم اعطه رقمي
- كنت ذكية يابنة العمة, فضل اليوم يمتلك مكانا يأويه, لكنه يقول أن هناك طفل عمره ستة عشر عاما, بلا مأوى وصار الأمن يطلبه كثيرا, وقد طلب مني أن أجد حلا للطفل.

أطرقت شريفة بحزن:
- ماذا نفعل؟
- لقد تحدثت مع والدي ووافق على استضافته
- حقا؟؟
- نعم ,, الحمدلله


عادت شريفة لمنزلها مرتاحة البال, مشغولة الضمير, تتساءل في أعماقها عن الذنب الذي اقترفه الناس, واستحقوا عليه كل هذه الملاحقات والخوف؟! ازدحم عقلها بالأفكار, وازدحمت مشاعرها بالعواطف, تارة تشعر بالغضب ثم بالحب ثم بالعجز, وتارة تشعر بالكره يملأ جنبات روحها, في أحايين كثيرة كان شقيقها "فهد" يتندر بما يجري في غرف التحقيق, وكم نهرته والدته عن ذلك, لكنه يتلذذ بأنات المعذبين, وبمشاهد الذل التي يعتقد أنه رسمها على وجوههم, بينما يحيطه عشرات من رجال الأمن, ويحمل في يده السلاح!! عن أي ذل يتحدث؟ وهل هناك ذل أكبر من استضعاف انسان وحيد في غرف مغلقة؟! مسكين أنت يافهد, لا بد أن يحل عليك غضب الله يوما!!

هذا اليوم جلست شريفة على مائدة الطعام مشحونة, وكعادة فهد أثقل أسماع الجميع بقصص التعجرف التي يمارسها على المعتقلين, وكالعادة أيضا نهرته والدته, بينما أخفى والده ابتسامة صامتة, هذه المرة لم تتمكن شريفة من السكوت :

- لماذا تجبرنا على الاستماع لتفاهاتك؟
- اغلقي أذنيك, فعرقك الأدنى يستصرخك كلما تحدثنا عنهم.

ثارت ثائرة والدته, واتجهت بالحديث صوب الأب :

- ألن تعلًّم ولدك احترامي على الأقل؟
أسكته الأب على مضض, وانفضت المائدة قبل أن يشرعوا في الأكل, هذه المرة قررت شريفة أن تتحدث مع والدتها, فاستأذنتها للدخول بغرفتها بعد ان تأكدت من رحيل والدها وشقيقها من المنزل:

- ماما أكاد اختنق من الوجع ..

وقبل أن تكمل شريفة حديثها, أجهشت والدتها بالبكاء, لم تكن والدتها جاهلة بمشاعر ابنتها, ولم تكن كتلة من الجليد حتى تنظر لكل ما يتعرض له أبناء بلدها وعائلتها بلا أدنى اكتراث, تفاجأت شريفة بأن والدتها متيقنة من تواصل شريفة بعائلة خالها, طلبت منها أن تخبر خالها رسالة :

- أخبريه أني أموت في اليوم ألف ألف مرة.

صارت عمة شريفة (شيخة) وهي الصديقة المقربة لوالدتها منذ مرحلة الدراسة, تتردد كثيرا على المنزل, حين تكون والدة شريفة مستاءة من أمر ما, كانت هذه العمة هي من تخفف عنها معاناتها, وكثيرا ما نصحتها, بأن تضرب بطلب اخيها "الانقطاع عن أهلها" عرض الحائط, لكن والدة شريفة (زينب) أحبت ولا زالت تحب زوجها كثيرا وأيضا تخشاه, سعدت شريفة لقدوم عمتها فوالدتها مستاءة كثيرا, وقد أجادت شريفة استثمار استياءها لصالحها، وطلبت منها أن تزور خالها والغريب أنها وافقت:
- ماما أنا ذاهبة وأعرف أنك وعمتي خزانة الأسرار أصلا لا تريدوني .. مع السلامة

تبسمت العمة وقالت:

- في رعاية الله ايتها المشاكسة, أنت المزيج الجميل من لطف أمك وحنانها ومن مشاكسة عمتك وجرأتها .. انتبهي للشارع وأعرف أين ستذهبين يا لئيمة.

 بسرعة وضعت شريفة يدها على فم عمتها :
- هش عمتي !!!

 

ثم تذكرت أن المنزل خاو الا منهم, فتناثرت من شافههم ضحكات افتقدتها شريفة منذ مدة



ألتقيكم في الحلقة القادمة

الجمعة، 9 يناير 2015

قصتي : حب في نون السياسة (3)

 
 
 
ضحكت شريفة بملئ شدقيها, (كم كنتُ غبية, لمَ لم اكتب اسمه في جهاز المركز لكنت وصلت اليه حتما)!!
لقاء من غير ميعاد، صِدفة جميلة جعلتها تبتسم منذ أكثر من ثلاثة أشهر, أخيرا ستتوقف رحلة البحث الطويلة, أخيرا علمت أنه بخير أو ربما ..لا زال بخير!!! بمجرد عودتها للمنزل دخلت شريفة لموقع التغريد, اختارت مساحة البحث, سجلت اسمه, ثم انتظرت بكل شوق ..
اسمه أمامها مباشرة, ترى ماذا تفعل الآن؟ كيف تبدأ الحديث معه؟! ماذا تخبره؟ وكيف سيرد عليها, كيف سيستقبل قلقها؟ بل هل سيأمن التعامل معها لو عرف انها ...... , ليست مثله بل لربما (أنا العدو!!), سيطر القلق على شريفة، ماذا لو استخدم والدي أو شقيقي فهد جهازي؟؟ أغلقت الجهاز المحمول وفتحت الموقع مجددا, لكن عن طريق هاتفها, لربما كان الخوف أقل إن كان من هاتفها, كتبت اسمه مجددا, ثم مجددا أيضا, بقيت ساهمة أمام اسمه, ترى كيف سيتلقاها وهي تنتمي لمن يلاحق ويقتل ويعتقل أبناء جلدته!! شعرت شريفة بحزن شديد لم تتمكن من التماسك معه, أجهشت بالبكاء (تبا لعقول كعقل والدي يجيد الخصم توظيف أحقادهم لمصلحته), (لمَ يا أمي أبعدتني عن عالمك؟ لمَ استأصلتني من تربة أحبتك الذين لطالما سعوا اليكِ)؟
شريفة التي لطالما أعيى جسدها المرض, اليوم ترزح تحت وجع جديد, لا يعلم به سوى الله, أقفلت هاتفها وقذفت بنفسها على سريرها,كرهت الزاد وانقطعت عن الأهل والأصحاب, لا يكسر حزنها سوى صوت خالها علي, الذي صار يتواصل معها بأريحية اكثر مؤخرا, لم تتمكن شريفة من التغلب على خوفها من ردة فعل "فضل" لو تواصلت معه, لكنها وجدت أنّ ألمها لن ينتهي ما لم تقتحمه, فإما يمر الأمر بسلام, وإلا فلتواجه الحقيقة المرة.
هذه المرة كتبت اسمه وإختارت أيقونة الرسائل الخاصة, وبدأت تسطر نزف قلبها :
(السلام عليكم ..
بالصدفة وجدت صورتك على مواقع التواصل, وقد طلبوا معرفة اسمك وعنوانك, خشيت عليك كثيرا وكنت أتمنى أن أطمئن عليك, والحمد الله أن مكنني من ذلك
 اختك شريفة)
كانت شريفة تظن أنها ستتلقى ردا بعد ساعة, بعد يوم أو أسبوع, لكن الرد تأخّر كثيرا, ألف فكرة اقتحمت رأس شريفة, يبدو أنه أدرك من أي عائلة أنا, وفضّل طبعا أن يقاطعني, معذور أنت يا فضل, كيف سيشفع لي خال واحد تعرفه أمام والد وأشقاء غلاظ عليكم !!
لم تعد شريفة تفتح صفحتها كل ساعة كما السابق, لكنها لم تستطع قتل الأمل بروحها, فكانت تفتح صفحتها كل ليلة, تطلّع على الأخبار ثم تأمل أن تعثر على بضع كلمات من فضل, هذه الليلة لم يخب املها :
(أهلا أخت شريفة..
أشكر ألطافك كثيرا, الحمدلله أني ما زلت بخير, لكني بحاجة ماسة للدعاء, فلا تبخلي على أخيك بدعوة في ظهر غيب ..
كوني بخير اخية)
زفرت شريفة زفرة لطالما انتظرتها, أاسعدها كثيرا رد فضل لكنها لم تكتف بعد, يكاد الفضول تجاهه يقتلها, كما أنّ خوفها من ذويها يقيد يديها, لكن فضولها على ما يبدو, صار يتفوق على خوفها, صارت شريفة في كل يوم تراسل فضل المتمنع, وتقرأ كل هواجسه وأوجاعه وإصراره وقوته, عبر حسابه بموقع التغريد, انسان لا يكل ولا يمل, تشعر أحيانا أنها لا تفهمه, فصارت تسأله وتسأله وتسأله, وهو يجيبها متحمسا لكنه ذات مرة أوقفها :
- كيف لإبنة أخت المعارض المخضرم علي, أن تسأل هذه الاسئلة, كل بناتنا إقتحمن السياسة, إنها حرب وجود أخيتي, كيف لك أن تبقي بعيدة هكذا؟؟
 تذرعت شريفة بوالديها اللذين لا يسمحان لها بالخروج, أو المشاركة أو الاختلاط بعالم السياسة لكونها مريضة, ولأنهم يخشون من العسكر, كان "فضل" متحفظ جدا لا يعطيها أية معلومات شخصية عنه, وكانت هي رغم فضولها الذي يقتلها سعيدة بتحفظه, فهي لا تأمن على سرية هاتفها , ولطالما تخلصت من محادثاتها معه خوفا عليها وعليه, فشريفة لن تنس أبدا كيف انتزع شقيقها فهد شعرها, حين اكتشف أنها على اتصال مع خالها علي وبناته اللاتي زادت أواصر القربى والصداقة بينهما حين حاولت اتمام دراستها الجامعية, هذا وتواصلها معهم كان قبل هذه السنة الأليمة فكيف اليوم!!
انتظرت شريفة كعادتها ردود أسئلة وحوار أرسلته لفضل, إلا أنّ الرد تأخر كثيرا, فضل لم يعد يغرد، ولم يعد يرد على رسائلها,عادت شريفة لرحلة البحث المريرة, بين أسماء القتلى والمعتقلين ولا جدوى, شهر كامل وفضل مختف تماما, لا أثر له حتى أن بعض المغردين صاروا يتساءلون عن إختفاء اسمه بعالمهم, ثم وجدت منه رسالة:
( السلام عليكم..
أعتذر لعدم التواصل معك أخيتي, لكن المطاردة إشتدت, وصاروا يداهمون منزلنا في اليوم الواحد مرات عدة, لن أتمكن من التواصل معك لأني لا أملك مكانا يؤويني, ولا أستطيع استخدام الهاتف بشكل متواصل)
 حزنت شريفة كثيرا وقد سألته عن سبيل لمساعدته لكن كعادته اكتفى بطلب الدعاء, عادت شريفة لحزنها ومرضها وسرير وجعها بالمستشفى هناك, حيث ترى العسكر بكل مكان يبتسمون بوجهها ويبصقون بوجه الاخرين!!! أعياها كثيرا ذلك الحزن, كانت تعرف أنها لن تتمكن من كتمان وجعها أكثر, لكن تراها لمن تبوح؟ وما عساها تقول؟ وعن ماذا تفصح؟ هي أيضا لا تعرف مالذي يحصل لها؟ ترى لم تشعر بكل هذا الحزن؟ فضل مثل آلاف البحارنة يطارد وربما يعتقل, أو حتى يقتل علام حزنك يا فتاة؟! بماذا يتميز هذا الشاب؟ ولم تخشين عليه؟ أهو مجرد تعاطف لوجع عاينته بأم عينيك, أم أن الأمر قد تجاوز ذلك كثيرا!! .. انها الانسانية حين تكون قلبا نابضا بجسد الانسان..
نفضت الأفكار من عقلها حين دخل طبيبها الجديد عليها, فطبيبها السابق موقوف عن العمل!!! طلبت منه الرخصة فقد ملت المبيت بالمشفى, أخبرها أن خروجها سيكون على مسؤوليتها, وافقت واتصلت بأهلها ليتسلموها لكنها كانت تضمر بنفسها أمرا.
بعد أيام إدعت شريفة أن مدة  إجازتها انقضت, وبأنها ذاهبة للعمل, إستقلت سيارتها وسارت بإتجاه منزل خالها الذي لا تعرف موقعه بالتحديد سوى انه في القرية ..... , بمجرد دخولها قرية خالها التي زارتها عدة مرات حين كانت تدرس مع بناته في الجامعة, اتصلت لاحدى بناته التي جاءتها مستبشرة قلقة, وقادتها للمنزل.
 بمجرد أن احتضنت خالها وبناته أجهشت شريفة بالبكاء, وصارت تعتذر عن كل الإهانات التي سمعتها تقال للناس في الطرقات ونقاط التفتيش والعمل والمستشفى كان خالها يبتسم:
- أنت منا يا شريفة إياك أن تستثني نفسك منا كما فعلت والدتك سامحها الله.
سعدت شريفة كثيرا بحديث خالها, ثم دخلت لغرفة أقرب بناته لقلبها (زهراء), وهناك كشفت عن حيرتها وألمها, أشفقت زهراء كثيرا على شريفة وفضل لكن ظلال القلق خيمت عليها:
- شريفة إياك أن يقع اسم الشاب على مسامع  شقيقك أو والدك.
-لا تخشي ذلك
- أتراك أحببت الشاب يإبنة عمتي؟
 دق قلب شريفة كالطبول:
-عن أي حب تتحدثين؟ وهل لمثل هؤلاء المساكين حب؟ إنه لا ينفك عن الحديث عن واجبه وجهاده ونضاله, ان كان هناك من حب, فهو حب فضل لبلده!
- لا أدري يا إبنة عمتي, حديثك وقلقك ولمعة عيناك تحدثني أنك تكنين للشاب مشاعر, شريفة إياك وذلك وإلا فستتألمين أضعاف ألمك اليوم, ورغم أني أتفهم اهتمامك فنحن نعيشه هنا في قريتنا, الا اني أجد من المهم أن أنبهك, فاعذريني حبيبتي.
 
 أجهشت شريفة بالبكاء, وألقت برأسها في حضن زهراء:
-لا أدري كيف من الممكن أن أساعده
كانت شريفة تشعر بالمسؤولية تجاه ما يعانيه أبناء جلدتها, وكانت قيود العجز تحكم الخناق عليها, حين تنبض الانسانية في جسد الانسان فلا يمكن إلا أن توجه روحه نحو العطاء.
لمعت بذهن زهراء فكرة فهمست لشريفة:
- دعيني أتواصل معه من خلالك لربما تمكنا من مساعدته.
 
ألتقيكم في الحلقة المقبلة ...

الخميس، 8 يناير 2015

قصتي : حب في نون السياسة (2)





توجهت شريفة مرة أخرى ناحية مبنى الطوارئ، وأثناء مشيها نحوه كانت اندفاعة قوية قد قدمت من الخارج أرعبتها، جمع من الشباب يصرخون طالبين الإفساح عن الطريق، وجمع من النساء زاد عويلهن، مر أمامها شاب في مقتبل العمر ممدد على سرير أحمر!  بل أبيض إستحال لأحمر من نزف الدماء! .. لقد تهتك جسده تهتكا، نظرت إليه والدماء تسيل من كل مكان من جسده، بقت واجمة .. ساهمة .. تنزل الدموع من عينيها دون إدراك، توجهت لتلك الغرفة وبقيت واقفة، تشهد بأم عينيها دخول المختنقين والمذعورين، والمصابين بآلات حادة، والمجروحين بالرصاص، بل والقتلى، جرحى من النساء والأطفال والشيب والشباب، طافت بذاكرتها أخبار فلسطين وكأن غزة نُقلت سريعا كعرش بلقيس من هناك الى هنا! !

استمرت بالوقوف هناك، ترقب الوضع بقلب يأن وجعا، وبعين لم تتمكن من التوقف عن البكاء، من بعيد لمحها طبيبها المعالج، توجه ناحيتها وهو يرتدي القفازات والقناع، ورداءا شفاف فوق بدلته: 

- شريفة .. ما الذي يوقفك هنا؟
نظرت إليه وبعينين دامعتين اجابت :
- ارقب أبناء وطني

أشفق عليها كثيرا، طلب منها التوجه لسريرها :
- لا بأس عليك، اذهبي لتستريحي، أنت في وضع يرثى له، ونحن كذلك، اذهبي كان الله في عوننا جميعا ..

منذ أن جاء هذا الطبيب الشاب لمباشرة علاجها، لم تلقاه إلا ووجهه باسم، تلك كانت المرة الأولى التي تراه فيها بهذا الذهول والحزن، حتى مشيته وهو مبتعدا، لم تكن مشيته وكأن الحزن أثقل حتى ركبتيه، فإنحنى ظهره مكتسبا فوق عمره سنوات ..

ذهبت شريفة لسريرها، ألقت جسدها النحيل عليه، واستسلمت لنوبة بكاءها المائة، ربما، م تعد تدري، فدموعها لم تعد ملكا لها، بل ملكتها تلك الجراحات التي أصابت قلبها وروحها وانسانيتها، ملكها أولئك الشبان الذين جاءوا يحملون على أكتافهم أخوة لهم، في أحيان كثيرة لم يكونوا يعلمون ما اسماءهم حتى... ثم لم تعد تشعر بشئ ..

عادت شريفة لواقعها، مسحت دمعة أبت الا أن تنزل على خديها، ونفضت عنها تلك الذكريات المؤلمة، ووقفت باسمة، تنظر للمنصة التي اعتلتها فتيات صغيرات ينشدن شعرا، كم تعشق هذه الأصوات والضحكات والخجل البرئ، اتسعت حدقاتها وانكشفت اسنانها من فرط التبسم وهي تنظر لهن، ثم فجأة .. كان هو أمامها مباشرة ..:
- تفضلي أخيتي
نظرت لما بين يديه، كان يوزع الماء، تبسمت له وشكرته، ثم كعادته ذهب مبتعدا تملأه الحماسة والحيوية. 


مرت الشهور والأيام حيث استحال الحال غير الحال، شريفة وبكل خوف ترقب اخبار الوطن، بين محطات الفضائيات أو عبر الصفحات الالكترونية، تخبأ عن أهلها وجعا لا تعرف اسمه (شاب ،، او تراه وطن)!

بينما كانت شريفة، تقلب احدى الصفحات الالكترونية، لاحظت صورة من أرادت وقد أُحيطت بدائرة حمراء كتب عليها: هذا الارهابي مطلوب لرجال الأمن، فقط اكتب اسمه /عنوانه/ واترك الباقي عليهم! وأسفل الصورة كان هناك متبرعا كتب في رده على الطلب :هذا زميلي السابق بالجامعة فضل حسين جابر! !

أُسقط بيدها! !

فجأة هوى قلب شريفة وبدأت نبضات قلبها بالتسارع، عن أي إرهابي يتحدثون؟كنت أرى ذلك الشاب الوادع يوزع إبتسامات وماء، أتحول توزيع الابتسامة بعد عهد رسول الله من صدقة لإرهاب!!!
ترى كيف تعرف اخباره؟هل صار في زنازينهم؟هل أصابته رصاصاتهم؟كيف من الممكن أن تصل اليه، ومنزل العائلة الهادئ صار مجلسا للتهكم والسب والشتم لمن تجرأ وزار تلك البقعة، حتى هي وشقيق والدتها ذلك الستيني الذي إعتاد على مقارعة الظلم منذ نعومة أظفاره، فقرر والدها مذ وعت على وجه الدنيا أنّ على والدتها ترك شقيقها، وعليهم جميعا مقاطعته بل مقاطعة كل أفراد عائلة أمها. 

كيف السبيل لخالها الآن؟في السابق كانت تخرج دون علمهم، تسرق ساعات من عمرها بذلك المكان تحت رعاية خالها، تستمع للخطب والشعارات، تعيش بين عفوية الناس، هناك رأت عالما مختلفا جدا، ليس كما كان يقال لها مطلقا، ليس كما اعتقدت يوما!! (كيف السبيل لك خالي؟كيف السبيل لك (فضل)..)

ايام طوال قضتها تلك الشابة وهي تتصفح صفحات التواصل الاجتماعي، تفتش بين أسماء القتلى والمعتقلين، دون أن تجد خيطا واحد صغيرا يريح انشغال بالها، وفي لحظة نفاذ صبر، قررت شريفة أن تلجأ لخالها، خالها الذي أنجبه ذلك العالم، فما انفصل عنه قط، خالها الذي قضى سني عمره إما مهجّرا أو معتقلا، خالها الرجل الوحيد الذي أجاب عن كل أسئلتها، برحابة صدر وابتسامة، حيث ورغم كل الوجع لم تسمعه يشتم مخالفا معه قط، لم تسمعه يسئ لوالدها أو عائلته أو سيرته، بينما أوغل والدها قلوب الأسرة كلها ضد أخوالها، وقريتهم وسيرتهم وانتمائهم! كان خالها يخبرها وبعينيه لمعة فخر، أنه تربية المآتم التي تخلت عنها والدتها خوفا وحرصا على أبيها!

هي تدرك أن خالها الوحيد، الذي يمكنه مساعدتها، لكنها تخشى في قرارة نفسها أن تتواصل معه، تخشى على نفسها، وتخشى عليه أكثر، فهو مهدد أصلا بالاعتقال كل حين. 

بقيت شريفة في حيرتها طويلا، حتى قررت أخيرا، أنّ كل ما عاشته في الأيام الماضية، يستحق أن تجازف، أدارت رقم خالها فجاءها صوته :
-مرحبا
-خالي علي ،،، كيف حالك؟ابنة اختك ستموت قلقا عليك
-اهلا عزيزتي ،، انا بخير ،، ألم نتفق أن تتوقفي عن التواصل معي حتى تهدأ الأمور ،،هل حدث لك مكروه؟
-أنا بألف خير، فقط ادعوا لك بالسلامة لكن ،،،
-لكن ماذا يا شريفة؟افصحي يا ابنتي
-خالي أود أن اسألك عن أحد ما وأرجوا أن تتفهمني
-بالطبع عزيزتي
أخفضت صوتها وهمست، بالكاد التقط خالها قولها:
-شاب لطالما رأيته في الميدان، وجدت صورته منشورة، ويطلبون معرفته لاعتقاله، اسمه فضل حسين جابر ..
أجابها بمزحة وأسى: 
-كل الشباب والشابات نشرت صورهم وأسماءهم ياابنتي، إسأليني عن اسم لم ينشر وقد اجيب! 
-كيف نتأكد من سلامته؟
بأسى أكبر وبغصة قلب أجابها:
-ابحثي عن اسمه بين الشهداء والمعتقلين، فإن لم تجديه، فابتهلي لله أن يكون بخير وأمان. 

اغلقت شريفة هاتفها وقد أُثقل صدرها أكثر، أملها الوحيد بعد الله كان خالها علي، لكنه لا يعرف الشاب !!

في اليوم التالي وكعادتها ركبت شريفة سيارتها، متجهة للمركز الصحي الذي تعمل فيه ككاتبة، مرت على عدد من نقاط التفتيش التي كانت تتجاوزها ببساطة، بينما يتكدس عندها جمع من السيارات يخضعون لتفتيش دقيق، ولطالما شهد سمعها سيل من الشتائم، حين تتقاذف على بعض المارة، عبارات طائفية مقيتة، تعدٍ على حرمة الدين والإنسان، واهانة للكرامة الانسانية مع كل مدة يد لرجل أمن بإتجاه خد سائق، غير آبهين بالاطفال الذين يرقبون صفعات وجه أبيهم!  كانت تتساءل، هل تراها انسانة محظوظة لأنها في مأمن من ذلك كله، أم تراها الأتعس، فقد مُيّزت عن أبناء وطنها دون أن تستحق ذلك!!

بروتين كئيب جلست شريفة على مكتبها، ترد على بعض المكالمات، أو تسجل بعض المواعيد، وأحيانا تضطر للابتسام بوجه العسكر، الذين صاروا يترددون على المركز الصحي بعد حصاره بذات نهار، واقتياد جمع من موظفيه بل وضرب أطباء محترمين تكن لهم كل تقدير واحترام، وتقييدهم رجالا ونساء، ثم إخفاءهم أياما، ولا يجرأ أحدا عن السؤال عنهم، او منع نا يجري عليهم. وبينما كانت ساهمة تفكر، أطل عليها من فتحة الزجاج وجه لطالما إنتظرت طلته ...

فضل!!!

كادت تتراقص فرحا حين وجدته أمامها بكامل سلامته، بسرعة وترقب دفع بطاقته الشخصية لها، طالبا أن تدخله على وجه السرعة لعيادة الاسنان، أخذت بطاقته وسجلت رقمه السكاني :
-جاسم حسين جابر؟ سألته بدهشه! 
فهز رأسه بإيجاب يملأه التوتر، رفعت بصرها اتجاهه: 
-ألست فضل؟
ارتفعت وتيرة توتره، لم يجبها لكن تقاسيم الخوف التي اعتلت وجهه أجابت عن سؤالها: 
-هل تذكرني؟ كنت دائما هناك مع خالي علي ال..... 
 
خشيت أن تكمل اسم خالها، لكن تقاسيم فضل هدأت قليلا ثم تبسم واجابها: 
- أظنني أذكرك
-هل يمكنني محادثتك في وقت لاحق؟
-لا أستخدم الهاتف
- بأي وسيلة
أخذ القلم وسجل اسمه الذي يستخدمه في عالم التغريد، ثم ذهب مسرعا ..


يتبع في الحلقة القادمة

الثلاثاء، 6 يناير 2015

قصتي : حب في نون السياسة (1)

 
هي قصة كتبتها من رحم الثورة، بدأتها في العام 2011 ولم أتمكن من الاستمرار في كتابتها الا اليوم، شخصياتها من الخيال، لكن أوجاعها واقع محض عشته وعشتموه ولا زلنا نعيشه، أحداثها حقيقة مزجتها بخيال لأخرج منها بقصتي، قصتكم، قصة هذا الوطن المثقل بالجراحات والذي أثق أنه لا زال يحتضن الكثير من الحب ..
 
 
المقطع الأول :





كان يسير وسط الحشود، يتنقل من زاوية لأخرى، من خيمة لأخرى، يداعب هذا الشيخ ويمسح على رأس ذلك الصغير، ينحني ليلتقط شيئا أسقطته تلك الفتاة، يتلقف نهاية حوار جمّع من الشباب لينخرط فيه. 
هناك لم يكن أحد غريب، فكل الوجوه الغريبة باتت مألوفة، كل الأصوات تألفها كل الآذان، كل الحناجر باتت معشوقةً من كل الأفراد، جوّ من الألفة والأخوّة كان يسود ذلك المكان، حيث كانت عيناها ترقبه، كل يوم تبحث عنه. 

نصبت خيمتها على زاوية رصيف، مقابل تلك الدائرة الكبيرة الملئ بالخيام، وأمام نخلة رقم خمسة وجدت نفسها تهفو كل يوم لتلتقي ذلك الشاب، بعينين شغوفتين وبقلب نابض، بدقات قلب تتراقص فرحا كلما أقبل، وبتوتر كلما أدبر، حتى الآن هي لا تعرف له اسما، كل ما تعرفه رسم جسد ووجه، ورسم شفاه وابتسامة، ورسم شخص ملائكي عشق لبس ذلك الرداء الأبيض، الذي كُتب عليه “ علمي كفني .. بدمي أفدي وطني"!

إعتادت"شريفة"أن تزور تلك البقعة، منذ أن رأت بأم عينيها سقوط أبناء وطنها صرعى غارقين بدمائهم يومذاك، إذ كانت كعادتها مقيمة في مستشفى البلد المركزي، نتيجة إصابتها بمرض منذ طفولتها، وكانت كعادتها أيضا وفي ساعات الفجر الأولى تنزل برفقة مغذيها لمصلى المستشفى، لتؤدي فريضة الفجر هناك، بعيدا عن سريرها الذي باتت تكره رائحته ولونه، حيث تلتقي الباري وترقب جمع من النسوة بعضهن قلقات على أبناء لهن في غرف العمليات، وأخر مستبشرات بلقاء أول حفيد، فتضحك مع تلك وتأخذها الأحاديث مع هذه، حتى تعود مرة أخرى لسريرها الذي اعتادها واعتادته. 

إلا ذلك الفجر، فقد كان كئيبا مريرا يحكي تفاصيل أوجاع الناس بالدم، نزلت تبحث عن مصلاها إلا أن أصوات الركض والصراخ والعويل أجبرتها على أن تطل برأسها للخارج، إسعافات ومراسلين وكاميرات وأطباء مذهولين وأهل أعياهم البكاء، حالة غريبة لم تعشها ذات الأربع والعشرين ربيعا قط، نسيت أنها جاءت قاصدة المصلى وقذفت بجسدها النحيل لخارج المستشفى، وقفت وسط الحشود الزاحفة تبحث في عيونهم عما جرى، تلتقط من شفاههم الكلمات علها تستطيع جمعها، لتدرك سر تلكم الأوجاع التي تناثرت على أرضية المكان، لكن لا جدوى، فالذهول يسيطر على الجميع. 
دفعت بمغذيها أمامها وسارت بخطى قلقه لداخل مبنى الطوارئ، لم يكن الوضع يختلف كثيرا إلا بمزيد من الدماء، وقفت أمام غرفة الإنعاش في حجرة الانتظار, كانت هناك مجموعة فتيات وأمهات أعياهن الترقب، إحداهن تتحدث عن بنت أختها ذات الأربعة أعوام والتي أُدخلت مختنقة إلى المستشفى، وأخرى غالبتها دموعها وهي تتحدث عن أخيها الذي حُمل على الأكتاف دون أن تعرف ما إصابته، وأخرى تتحدث عن ابنها ذا الثامنة عشر ربيعا والذي اخترقته عدة شظيات، وفتيات جئن مذهولات من موقع الحدث، قلقات على كل الاجساد والارواح، باكيات على تلك الدماء الساكبات. 
كانت مذهولة في عينيها ألف علامة استفهام فشقت حديثهن جميعا بسؤال : من فعل كل ذلك؟!

تفاجأت النسوة، اعتقدن أن الجميع يعرف تفاصيل هذا اليوم، لكن يبدو أن هناك من لم يستوعب تفاصيل هذا الفجر القاسي، نظرت إليها أحدى الفتيات وكانت تقربها سناً، سألتها: أنت ترقدين هنا؟ هزت رأسها بالإيجاب، (إذا لا تدركين ما الذي يجري في الخارج؟)، حركت رأسها نافية اذ لم تكن تقوى على الكلام،  ولم تكن تملك الا البكاء، فتحت فمها :
أنا ..........
لكن فجأة علت الصرخات أمامها، واندفعت كل النسوة لخارج الغرفة، حتى أن بعض الممرضين والممرضات انهاروا على الأرض باكيين، صرخات وعويل وبكاء ودعاء لم يكن بالأحرف بل بلهبات قلوب تحترق .. !

اقتحم أذنها حديث:
- كم؟؟
- يقال إنهم 3 والرابع في الطريق
صرخت امرأة طاعنة في السن ::
- السلام عليك يا سيدتي زينب، من صبرك القي علينا صبرا، حسبنا الله ونعم الوكيل، حتى الخيام سيدتي حرقوها ...!!

فجأة انتبهت شريفة لساعة الحائط المعلقة، ستشرق الشمس قريبا وهي لم تؤدي فريضة الفجر بعد! خرجت بذهول أكبر مما دخلت به، توجهت لمصلاها، وقفت أمام الله .. وانتحبت!



أنهت صلاتها وأسندت رأسها للجدار، كان المكان مكتظا بالنساء ثم بدأ يقل تدريجيا، إلا من امرأة جلست بكبرياء، وفي عينيها دموع توجهت بها لله بجلد غريب، شريفة المنهكة بادرتها بالسؤال: 
- سيدتي بالله عليك .. ماذا حصل؟
نظرت إليها السيدة بحزن شديد، أغرق قلب شريفة في أضلعها .. أجابتها: 
- لقد هاجموا الدوار، الكثير من الجرحى هناك يأنون، بعضهم نقل للمستشفيات، والبعض مُنع عنهم الناس والممرضين، انهم هناك تحت رحمة الله! 

- الدوار؟؟ هوجم؟؟ .. تمتمت شريفة

كان لغزا لم تفهمه بعد، ربتت على كتف المرأة وقالت : 
- جبر الله قلبكم سيدتي. 


 

 
 
يتبع في الحلقة القادمة .. 

قف.. فكر.. قرر بوعي

  نسمع كثيرا عن مفردة (الوعي) ونُدعى كثيرا لأن نكون (واعين) بل وحتى في أحاديثنا المعتادة نطالب أن يكون الآخر مالكا-لوعايته الكاملة (تعبير دا...