ابحث في مدونتي

الجمعة، 20 مارس 2020

اهداء لأمي


في مثل هذه الساعات والأيام من العام الماضي وسابق الأعوام، كان الاغلب الاعم من الناس يتسابقون في الأسواق والمجمعات والمطاعم، ويتزاحمون هنا على وسائل التواصل الالكتروني ليحتفلوا ويوثقوا الاحتفالية الأساسية في مارس.. عيد الأم

هكذا.. بكل بساطة

يجتمعون ويوثقون ويضحكون ويقبلون رأس والديهم، ثم تحتدم النقاشات حول شرعية هذا الاحتفال، أو كونه بدعة حسنة، أو سلبية تحويله لعيد رابع بين الأعياد الإسلامية الثلاث، أو ضرورة ابعاد وسائل التواصل عن هذه الاحتفالات رحمة بقلوب فقدت الأم أو فقدت القدرة على الاحتفال بها.. بهذا الحجم وتلك الكيفية
.
هذا العام

تكاد تفرغ الأسواق والمجمعات والمطاعم من روادها، وبين من استعد مسبقا لهذه الاحتفالية ومن لم يسعفه الوقت، يقف الاغلب على بعد بلد أو قرية أو شارع أو حتى جدار عن والديه.. حرصا عليهم، يمنع نفسه عن الاجتماع بهم والاحتفال بوجودهم

لم تعد الاحتفالية مهمة
لم تعد الكعكه كافية
ولا يقف الأمر على هدية تم ابتياعها ام لا

هذا العام.. نستشعر فقط جمال وجودهم (الوالدين) الذي لا يمكننا أن نتمتع به.. هذا العام نستوعب ان هناك نعمة اعتدناها كثيرا وربما بل مؤكد اننا قصرنا اتجاهها كثيرا

ربما
أجلنا اللقيا بهم مرارا.. لان هناك دائما متسع من الوقت
ربما
بخلنا بالعطاء عليهم مرارا.. لان دائما هناك مناسبات قادمة للاحتفال والعطاء
ربما نسينا ان نشكر الله على نعمة وجودهم لأنهم دائما هنا

يستحق هذا اليوم في هذا العام ان نتوقف عنده
لا لكي نحتفل
بل لكي نحمد الله ونهمس بخشوع
(شكرا إلهي.. فهمنا الدرس) ثم نعتذر لهم

عذرا أبي #أبو_عادل
عذرا أمي #أم_عادل 

لكل خيبة ظن سببت لكما فيها
لكل تقصير لا زلتم تغفرانه لي
لكل جفاء لم اقصده حتما
.
وددت لو اني ملكت الصحة والعافية وملكت قدرة ان أهديها اليكما 💕
.
.
اللهم ارفع عنا هذا البلاء
ومتعنا بنعمة الآباء والامهات والاخوة
وأتم علينا نعمة الصحة والعافية
شافي المرضى ورد الغرباء واحفظ البلاد والعباد

الخميس، 19 مارس 2020

هي جبهتك حتما..




ماذا تعني الظروف الاستثنائية؟ ومالذي تقتضيه الايام الصعبة؟ وكيف تُدار الازمات؟

أسئلة علينا ان نسأل أنفسنا عنها ولا بأس أن نتصفح محركات البحث من أجل الوقوف على أبرز ما يمكن ان نعرفه ونتعلمه في ظل أزمة عالمية تمثلت في فيروس #الكورونا سريع الانتشار والذي يهدد حياة كبار السن والمرضى وضعيفي المناعة على وجه الخصوص والذي قلب حياة البشر رأسا على عقب فأُغلقت المؤسسات التعليمية وتغيرت طبيعة الحياة من الاندفاع الى الحذر فلا الاجتماعات ظلت قائمة ولا المحال بقيت آمنة وصرنا نعيش كأفراد مسؤولية شخصية تتمثل في ان نحافظ على أنفسنا وأبنائنا ومسؤولية انسانية ودينية واجتماعية بأن نساهم في محاصرة انتشار الفيروس عبر الالتزام بالتعليمات الصادرة عن اهل الاختصاص.

من الواضح ان مسؤولية محاصرة الفيروس وقائيا وعلاجيا تقع على عاتق عدة أطراف، أبرزها الدولة بمؤسساتها وأجهزتها وثانيها أفراد المجتمع وثالثها ما يُتعارف عليه اليوم باسم المجتمع الدولي، فلا اقدر من الدولة على ادارة الازمات فهي تُصدر التشريعات وتَسن القوانين وتُعلن المسموح والممنوع وتُلزم المجتمع بكل فئاته على التقيد بتعليماتها طوعا وكرها، وهنا واجب على افراد المجتمع ان يلتزموا بالتعليمات حرصا على انفسهم وانطلاقا من المسؤولية الدينية والانسانية والاجتماعية قبل أن يلتزموا بها خوف المساءلة القانونية.

ثم فان افراد المجتمع هم ايدي الدولة التي من خلالها يتحقق ما يُراد، وفي هذه الأزمة فإن الاطباء والباحثيين الصحيين وعلماء الجسد والنفس والكادر التمريضي، هم جنود الدولة الأوائل وجيش الدفاع عن الانسان والوطن، يُقدمون أرواحهم بكل صبر ووقتهم بكل حب، ويتواجدون في عمق ما نهرب منه من أجل الذود عنا، بينما لا يزال بعضنا يستمتع بالحياة على مختلف الاصعدة، ولا يُطلَب منه سوى أن يحتضن صغاره داخل بيته ويرعاهم، حاميا نفسه من المجتمع وحاميا المجتمع من نفسه.

لكن وبكل صدق ليس ذلك كافيا.

تقوم الجهات المختصة تحت إدارة الدولة بجهدها المشكور وهناك حتما جوانب قصور لا بد من المطالبة برفعها بكل تفهم وصبر، لان المهم اليوم ليس إبراز جوانب القصور كصفة لازمة للدولة، بل ابرازها لتداركها ومعالجتها والالحاح من اجل المساهمه برفعها. لا يمكن أن يكون الحدث المباغت والسريع الحاصل خارج ارادة الانسان مثل الاحداث اليومية الروتينية، بل ان مثل هذه الاحداث تحتاج لتضافر الجهود ومحاولة تقديم كل ما يمكن تقديمه للجهات المختصة، والوقوف معها في جبهة واحدة شديدة الصلابة شاءت ذلك أم أبت، ففي ذلك حياة البشرية لا المواطن في هذا المجتمع فحسب، فحين تتدارك الصين المرض تتبعها ايران وإيطاليا ومصر والكويت يعني ان الحياة خارج مجتمعنا باتت اكثر أمنا وما ان نتمكن من محاصرة المرض فنحن نعود تدريجيا للحياة الطبيعية دون الخوف من التنقل بحرية داخل وخارج البلاد، وهو ذات الأمن الذي نحققه للبلدان الأخرى حين نحاصر المرض في مجتمعنا.

هل يكفي اذا ان نراقب زلات الجهات المختصة ونملئ الدنيا ضجيجا لابرازها؟ هل يكفي أن يتطوع اثنا عشر ألف إنسانا نبيلا واضعا نفسه تحت تصرف الجهات المختصة تستثمره في الموقع الذي تحتاجه فيه؟

أم نحتاج أن يظل الإنسان السليم سليما فلا ترتفع حدة الاصابات ويعني ذلك فقط، ان ندفع بالواجبات الاجتماعية لأدنى مستوياتها، فلا تهنئة مباشرة عبر حضور فرح ولا مواساة مباشرة عبر إقامة مآتم ولا عتب ولا تزمت ولا استهزاء بملازمة الناس بيوتاتها.

بل اكثر من ذلك..

الجبهة الانسانية الوطنية تحتاج لكوادر بشرية، والكوادر البشرية على الرغم من صغر حجم هذا المجتمع هبت لنجدته، الجبهة الانسانية تحتاج لإدارة والجهات المختصة موجودة على رأس الازمة وان حوت جوانب قصور، الجبهة الانسانية تحتاج لمجتمع ينقاد لتعليماتها وأتصور أو لأكون أكثر دقة (آمل) أن هذه الجبهة بدأت تعي حجم الخطر أو على الأقل تعي ضرورة التزامها أو لتخجل من عدم التزامها، ولا ضير أن يتحول (العيب) اليوم من (عيب ماتحضر) إلى (عيب تحضر) المناسبات العامة والتجمعات والديوانيات والفواتح والأفراح.

ثم فان الجبهة الوطنية تحتاج دعما ماليا ولوجستيا تقدمه المؤسسات الأهلية والتجار والشركات الاستثمارية وحتى الأفراد المقتدرين، فهي من هذا المجتمع والضرر الذي يمسه يمسها بحدة ورفع البلاء عنه يرفع البلاء عنها.

ماذا لو وضعت بعض الشركات الكبرى تكلفة (إعلانها ودعايتها) الذي تبذل عليه ما تبذل تحت تصرف الجهات المختصة او دفعت به في جوانب الضرر والقصور الذي انتجته الازمة؟ كأن تدفع رواتب كل موظفيها كاملة دون نقصان حتى وان اضطر بعضهم للبقاء في منزله؟ ماذا لو دفعت مبالغ للمتضررين من أبناء المجتمع كسواق الباصات والعاملين لحسابهم الذين توقف عملهم بسبب الازمة ولا يملكون دخلا ثابتا؟

ماذا لو وضع أصحاب الفنادق والصالات مبانيهم تحت تصرف الجهات المختصة بلا اي تكلفة مادية ودعوا التجار لدعم استثمار مبانيهم من قبلها.. مثلا لاستخدامها كحجر صحي؟!

أصحاب الفواتح والافراح ومن رصدو مبالغ لها قيمتها من اجل قضاء اجازة في الخارج. ماذا لو قدمتم ما رصدتموه قربة لله تعالى تحت تصرف الجهات والصناديق الخيرية، او دفعتموه لإحدى دور الحضانة/الروضة التي تئن تحت مطرقة عدم قدرة بعض أولياء الأمور دفع اقساطهم الشهرية لتوقف عملها، وبين سندان حاجة معلماتها لرواتبهم وضرورة دفع التزاماتها الشهرية لتعلن الدار لأولياء الامور ان فاعل خير تكفل باقساطهم الشهرية حتى نهاية الفصل الدراسي.. ترى كيف سيرى الله عملكم هذا؟؟ أليس أولى من موائد كانت سترمى في القمامة؟؟ أليست بركة وبرا نحتاجه في حياتنا أليست صدقة لدفع البلاء؟؟

هناك جبهة وحيدة تعمل اليوم، لا جبهات مقابلها الا جبهة المرض والبلاء، جميعنا ننتمي للجبهة الأولى، جميعنا نحتاج وبسرعة للانتصار على الجبهة الأخرى، أيا كان موقعنا ودورنا في هذا المجتمع وأضعف الايمان ان نتفهم ضرورة وجودنا داخل اطار عائلتنا الصغيرة فنلتزم بهذا الوجود ونحض عليه ونحترم التزام الآخرين بهذا الوجود.

نسأل الله أن يرفع البلاء عن البلاد والعباد وان يشافي المصابين ويتغمد الضحايا برحمته.

(رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ)

الثلاثاء، 10 ديسمبر 2019

المبادرات الاجتماعية "سهلوها" مثالا



من الطبيعي جدا أن تلقى بعض المبادرات المجتمعية التي تطرح بين فينة واخرى اقبالا واسعا أو تقبلا متواضعا، وذلك بحسب ما تتقاطع معه تلك المبادرة واهتمام وهمَّ الناس في المجتمع، ومن الطبيعي اكثر انه ومهما اتسعت رقعة قبول مبادرة ما، ان تكون في مقابلها أصوات تشكك أو على الأقل لا تؤمن بتحقق أهدافها أو لا تؤمن بوسيلتها لتحقق تلك الأهداف، أو قد لا تؤمن بأهدافها اصلا. 

منذ أسابيع انطلقت مبادرة اجتماعية ذات جوانب انسانية ودينية واسرية تحت مسمى "سهلوها" لرجل علم عامل في المجال الاجتماعي هو السيد هاني المعلم، طرحت تلك المبادرة ضرورة تسهيل الزواج في جوانبه المادية الكمالية بشكل رئيسي، أي أن توقيت ذلك التسهيل يقع بعد حسن الاختيار وحصول التوافق والانسجام بين رجل وامرأة وربما بين عائلتيهما أيضا، وفي تصوري انه -اي التسهيل-يختص بالشاب في مقتبل العمر ومن أسرة محدودة الدخل، ممن بدأ لتوه تأمين حياته الأسرية، بدأ للتو في زرع أولى بذورها وذلك باختيار زوجة، ذلك أن عبء بذر بذرة الأسرة المادي يقع على الزوج في مجتمعنا لاعتبارات كثيرة لست بصدد مناقشتها، وإن ساهمت المرأة في ذلك فتبقى المساهمة منها إحسانا وتفضلا لا واجبا يُنتَظر منها ان تأديه كلما توجهت امرأة لمؤسسة الزواج.

شخصيا خضت مجموعة من النقاشات واطلعت على مجموعة من التعليقات ممن وجد أن هذه المبادرة قاصرة أو خاطئة أو حتى مسيئة، وهو ما وجدته أمر طبيعي كما اسلفت، رغم اعتقادي التام بجمال هذه المبادرة وضرورتها وحاجتها للاكتمال، في ظل تعقد الحياة المادي والمعنوي في عموم العالم وفي مجتمعنا على وجه أخص، كما لا يمكن ابدا الفصل بين قضية استهداف الإنسان في هذا المجتمع استهدافا ممنهجا واضحا مقصودا نعيش مأساته ونتلمس اضراره، مؤمنة ان صعوبة الزواج احد افرازات هذا الاستهداف إضافة لأسباب أخرى بكل تأكيد، وبالتالي فمن الظلم في حق أنفسنا ان لا نلتفت اليه وان لا نضعه في اعتبارنا-اي الاستهداف- وذلك من أجل حياكة اطواق نجاة تجرنا من مستنقع التهميش والفقر والجهل وشظف العيش لبر التمكن والإنجاز وبناء الحياة الكريمة بكل جوانبها المادية والأسرية والاجتماعية والمعنوية.

هناك أربعة آلاف أسرة على الأقل محرومة من حياة أسرية حقيقية بسبب غياب أربعة آلاف معتقل وعدد من المعتقلات خلف قضبان السجن.. اما متزوج محروم من مباشرة مهامه الأسرية أو غير متزوج محروم من تكوين أسرة كان يطمح لتأسيسها قبل ان تُسلب حريته. 

هناك مئات الشباب المهاجرين المحرومين من اسرهم، اما لصعوبة التحاق الزوجة والابناء بهم في ديار الغربة وبالتالي هم واسرهم محرومين من طرف اساسي يباشر مهامه الاسرية أو منهم غير متزوجين ويلاقون صعوبة في تكوين اسرة طرفها الآخر ابنة البلد اما لصعوبة الظروف او حتى لعدم قبول الكثيرات لخيار الغربة الصعب.

ناهيكم عن عشرات الشباب ممن حرموا من فرصهم الوظيفية الحقيقية التي تتناسب ومؤهلاتهم وكفائتهم وقدراتهم وسهرهم الطويل وحرمانهم الوظيفي مؤثر اساسي على قدرتهم المادية.

هل يعقل ان تطرح المرأة نفسها من هذه المعادلة؟ هل يعقل ان تنسى ان في ذلك استهداف لها ايضا؟ الا ترى ان تحملها لظروف الاستهداف هو جزء لا يتجزأ من نضالها الاجتماعي والسياسي  والديني؟!! 


رغم ذلك اقول..اتفهم ان لا تعجب مبادرة ما مجموعة من أفراد المجتمع، لكني في ذات الوقت اسجل ملاحظة في غاية الأهمية ربما تكون سببا في عدم تقبل "بعض الفتيات" على وجه التحديد لهذه المبادرة وربما لكل مبادرة يُعتَقد خطأً انها مجرد تضحية جديدة تقدمها المرأة للرجل!!
هذه الثنائية التي يحيا على خيالها وعدائها بعض الناس تحرم كثيرين من عملية التفكير المنطقي.. إذ من الاجحاف النظر الى الزواج بصفته وكأنه بؤرة النار التي تقذف فيها المرأة نفسها طوعا او كرها من أجل رغبات الرجل! فتنزه المرأة عن حاجتها لان تكون جزءا من أسرة صغيرة ذات زوج وأبناء. أعجب من انه لا يزال بيننا من ينظر للزواج وتفاصيله نظرة اشمئزاز ودونية تتناسب وطبيعة الرجل وتترفع عنها المرأة وحين تقبل الزواج من رجل فهي مضحية ويجب ان يقدم الطرف الآخر كل التزام مقابل تلك التضحية.

في حين.. ان الزواج حاجة حقيقية يحياها الإنسان رجلا كان أو امرأة، ايا كانت ثقافته ودينه ولونه وبلده، كما اثبتت مؤسسة الزواج صمودها حتى اليوم أمام دعوات تعطيل قيامها في حالتها الطبيعية بين المرأة والرجل مقابل دعوات حقوق الشواذ بالزواج ودعوات الإجهاض والاباحية وتخلي المرأة عن دورها في الإنجاب مقابل تبني أيتام أو لقطاء أو مشردين -رغم انسانية كفالة هذه الفئات- إلا أنها لم ولن تكون بديلا عن حاجة الإنسان للشعور بالابوة والامومة وفي وضعها الطبيعي ضمن مؤسسة زواج قانونية يقرها شرع المجتمع وعرفه ايا كان شرعه وعرفه.

في الواقع فإن كل مشروع جديد يخوضه الإنسان، وكل تغيير يسعى له الإنسان فهو يحتاج لمقدمات واستعدادات معنوية وشخصية ومادية، وعليه فيجب على كل مقبل على الزواج رجلا كان او امرأة ان يوفر لنفسه الاستعداد المناسب الذي يهيئه لدخول مؤسسة الزواج ولخوض تجربة مشاركة جديدة بحجم تجربة الزواج، هذه الاستعدادات لا تبدأ قبيل الزواج مباشرة ولا تقتصر على الجوانب المادية بل لعلها اهم وأكثر الحاحا منها، لكن في الواقع فإن الجانب المادي هو الجانب البارز وهو الجانب الذي يولى أهمية شديدة لدى كل الأطراف، إلى درجة أننا لا نستغرب حين نسمع عبارة "الِّي ماعنده لا يطق باب الناس"، وفق مقاييس مادية تختلف من أسرة لأسرة وربما من قرية لقرية، ودون وضع اعتبار لمدى استعداد الإنسان المعنوي والشخصي والعاطفي والاجتماعي ومدى تأمينه لنفسه ماديا على المدى المتوسط والطويل، فوضوح خارطة طريق انسان ما ثروة يعتد بها بينما امتلاك أحدهم لعشرة آلاف دينار في الوقت الراهن دون وجود عقل تدبيري لحياة طويلة المدى لا يعدو كونه مجرد رقم وسينتهي!!!

لا يعني ذلك عدم وضع اعتبار للجوانب المادية لكنه يعني تغيير نظرة الإنسان لسبل تأمين الحياة المادي وكيفيته.

نعود لموضوع الزواج وحملة تسهيله، الكثير من اللغط ساد مع انطلاق هذه الحملة وهناك مجموعة من الاشكاليات والمطالبات الحقة كأن يتبع دعوة تخفيف الاعباء المادية حملة رفع ثقافة الحياة الزوجية ونظرة الرجل والمرأة لهذه الحياة المشتركة بل وسبيل اختيار كل طرف لشريك حياته وبالتالي فهذه مبادرة اجتماعية تحتاج لمبادرات توعوية وصحية وثقافية ودينية واجتماعية واقتصادية على المجتمع ككل ان يبادر لتأمينها، وكما وجدت فإن هناك محاولات جادة لمطلقي الحملة لاستيفاء بعض الجوانب وهو جهد مبارك نشد على ايديهم ليوفقوا فيه، اما الأصوات الغاضبة التي وجدت في تلك الحملة إساءة للمرأة فأتساءل مستغربة.. كيف من الممكن أن تتأثر كرامة ومكانة المرأة حين نهمس في اذنها بأن تترفع عن حاجات كمالية مقابل الالتفات لجوانب اكثر أهمية؟! مقابل الدخول في تجربة الزواج بأخف عبء مادي ممكن يرفع عن العلاقة ضغطا قد يؤثر في بقية جوانب الحياة الجديدة للزوجين.

في الواقع فان اسباب ارتفاع تكاليف الزواج متعددة، منها ما هو متعلق بمطالبات الاسر والزوجين الجديدين ومنها ما هو مفروض عليهم، فغلاء الاسعار عموما عامل مؤثر وقسري لكن اختيار اسم محدد للصالة والملاية ومصففة الشعر والمصورة الذين يبيعون اضافة لخدمتهم اسمهم، عوامل - ثانوية - تؤدي لتكلفة مادية مرتفعة نسبيا مقارنة بالقدرة على تأمين كل ذلك بسعر اقل مع شي من التواضع وبذات الجودة!

وفي تصوري فلعل تكلفة المهر - الثابتة نسبيا- لا تدخل ضمن ارتفاع تكاليف الزواج المادية مقابل بقية الجوانب لذلك فعملية تسهيل الزواج هي عملية مراعاة ظروف اثنين من ابناء مجتمعنا يرغبان في تأسيس اسرة وهذه المراعاة ليست بالضرورة ان تكون في كل مراحل الزواج انما في شكليات ثانوية من الممكن التخلي عنها أو الاستيعاض عنها عبر بدائل معقولة.

الموضوع ذو جوانب متعددة من الصعب اختزالها في مقال أو حملة أو خطبة، لكن كل عمل وكل خطبة وكل توجيه وكل فعل يضيف حتما لثقافة الناس في التزويج والنظر لمؤسسة الزواج ويبقى امر اخير من الممكن ان اختم به المقال لا الموضوع .. هي همسة اخاطب بها الاسرة المؤمنة التي بين جنبيها شبان في مقتبل العمر يطمحون يوما في تأسيس اسرة; في خضم هذه الحياة المادية المعقدة وبين زحمة المظاهر الزائلة لا تنسوا وصايا الرسول الكريم واهل بيته عليهم الصلاة، في حثهم على التزويج ومقاييس الاختيار ومعنى مسؤولية الزواج وبركة أقلهنّ مهرا، وليكن ذلك مبدأ تنطلق منه الاسرة المؤمنة برجالها ونسائها والتي يشكل فكر اهل البيت عليهم السلام دستورها، مبدأ يؤمنون به ويصرون عليه ويسعدون به ويثقون بأثره وبركته الدنيوية والاخروية وان لم يلمسوها بأيديهم.

الاثنين، 19 أغسطس 2019

حررني الله.. وليس لأحد أن يأسرني



البعض يطالب ان تكون الشتيمة احدى الحريات المكفولة.. فيمكنك ان تشتم:

الله
الرسل
الاديان
الملل
الطوائف

اذ ان ذلك يصب في نهر الحريات التي "دوشو" راسنا بها

وبالمناسبة ايضا، على الموحدين ان يحترموا "اشكالات" الملحد ويصفقوا لها ويمتنعوا عن مناقشتها حتى فحق الملحد في الاعتقاد مكفولة فضلا عن حقه في الشتم!!

اما من وجد هويته الجنسية "مثلية" فله حق ان يمارس علاقاته وفق هويته ثم يحاضر فينا ليعرفنا على ان الاديان -كذبا-حرمت شذوذه وان الله هو اله الحب والجمال ولا يمكن ان يكوي قلب عاشق وان الهوية الجنسية ليست سوى "هبه" يهبها المجتمع لافراده وجاء وقت التحرر منها وعلينا جميعا ان ننصاع لخطبته الرنانة والا.. فلسنا سوى دكتاتوريين مرضى بحاجة لعلاج!

السؤال اين حق الاحترام
اين حق التعايش
اين حق المجتمع والآخر

كيف تبنى المجتمعات اذا كان من حق الملحد مثلا ان يشتم اله الموحدين..؟ ومن حق من يدين باله ما ان يشتم اله الاخر؟

من يطالبون بدولة علمانية او ليبرالية او شيوعية او دينية.. حقوق الاخر مكفولة والا فلن تبنى الدول فكيف ان مارس الشتيمة مثلا حامي امن او مطالب بحقوق ضمن فصيل سياسي يتغنى بالحريات المدنية؟!!

ان تؤمن بفكرة ذلك شأنك، لا يمكن لأحد أن يسلبك ايمانك أيا كان ولو اطلق على عقلك رصاصة.. لكن المأساة التي نعيشها هي في التعبير عن ما نؤمن;

١. تؤمنين بالسفور كحرية شخصية.. فتمارسيه هي حرية اختيار لكن حين تحولين سفورك الشخصي الى قضية عقائدية وشرعية مدعية مثلا ان الدين ظلم المرأة حين اقره أو ان تشريع الحجاب اصلا جاء من دكاكين رجال الدين فالامر خرج من دائرة حريتك الشخصية لكونه قضية فكرية  عقدية من حق الجميع ان يرد عليك فيها فأنت منفردة تسلبين ارادة الآلاف من النساء وتشككين بعقولهن وتستخفين بالتزامهن حين زمجرت انك المفكرة الوحيدة التي اكتشفت مؤامرة الحجاب!!!

٢. تؤمن بأن هذا الكون الواسع بلا خالق.. حسنا ذلك شأنك لكن حين تلقي بالاشكالات-ان صدق عليها انها اشكالات- في المجالس ووسائل التواصل فأنت خرجت من دائرة الحادك الشخصي الى دائرة ايمان الآخرين ومن الطبيعي ان يدافعوا عن إيمانهم او يهاجموا الحادك.

٣. كفرت بالله؟ آمنت بالاباحية؟ شأنك لكن حين تصاب بغرور انك الوحيد الذي تمتلك عقلا فمن حقك ان تشتم الله والمؤمنين وان تدافع وتلعلع من اجل فتح البارات والسواحل ورفض محاسبة كل معتد على اعتقادات المجتمع عموما فأنت تخرج من عباءة ايمانك لترمي بنفسك في بحر اعتقادات الآخر ممارسا ما تطالب المجتمع ان يتوقف عنه..فلا تنتظر ان ينقذك احد

اما أولئك المؤمنين الذين يدافعون عن هذه الشاكلة من الملحدين
المحجبات اللاتي يدافعن عن هذا الشكل من السافرات
المؤدبين اصحاب الحريات الذين يدافعون عن الشتامين

فلا تعليق سوى..

ان كنتم تدعون ان الملحد المسئ
والمؤمنة بالسفور التي ترمي المحجبات في قناعتهن
والحر الشاتم الذي يشتم كل ما هو خارج دائرة إيمانه

يمارسون حريتهم

فمن يرد عليهم..يمارس حريته ايضا فاحترموا الطرفين بذات المستوى وارحمونا وارحموا انفسكم

نحن في مجتمع البحرين
لم يستبح دم احد
ولم يعتدى على جسد احد
والحمدلله.. نحن مجتمع في غاية السلم لكنا ايضا

لسنا امعات نسير خلفكم
ولسنا امعات نحتاج لتحررونا من تبعيتنا الغير موجودة الا في عقولكم

نحن احرار نمارس حريتنا العقائدية والفكرية ودفعنا من أجلها ارواحا سقطت عند مآتم ومساجد ودور فقهاء

ارتقوا قليلا

الخميس، 1 أغسطس 2019

سنمارس حقنا في الرفض



"لكل فعل ردة فعل"

تلك أبسط قاعدة فيزيائية تم جرها للحياة الاجتماعية، قاعدة محسوسة أحيانا، قد يوغل فيها الإنسان حتى يتحول من مجرد متأثر لمتوحش يبيد كل شئ، أو يهذب نفسه لتكون ردة فعله مجرد وجع يقبع في قلبه محاولا السيطرة عليه. لا يختلف الأمر كثيرا حين يكون ردة فعل على خير أو احسان فهو اما يذوب امتنانا أو يطبق بيت الشاعر "ان انت اكرمت اللئيم تمردا" وما بينهما الكثير. 


تلك في ردات الفعل البشرية التي تقع في دائرة الشخص ذاته، لكننا لسنا مجرد كائنات فيزيائية ولسنا عبارة عن كائنات بلا مشاعر وبلا عقل وبلا مسؤولية، لذلك فردات الفعل التي تُصنَع في داخلنا لا تكون -دائما- ردة فعل شخصية، وان كانت القضية المُتأثَرُ بها قد مست جنبة شخصية صغيرة أو كبيرة.

فنحن نتعاطف مع الآخر
نغضب من أنانية الآخر
نثور لكرامة آخر
ندافع عن حق العقيدة
عن مصلحة اجتماعية عامة
ننتصر لمستضعف
نغضب من ظالم
نشمئز من العنصرية
وأيضا.. نرفض المساس بمشاعر المجتمع وحدوده وباعتقادات دينية اجتماعية اخلاقية يؤمن بها مجتمع ما لذلك;

نحترم بقرة الهندوسي في مجتمعه وان كنا نأكل بقر قريتنا.. مثلا!

منذ سنوات تنشط مجموعات وتقوم بفعاليات، تستهدف شريحة واسعة من المجتمع وتحاول ان تجمعهم تحت بند هدف في غاية الرقي، قد تكون مجموعات المعطلين عن العمل اولئك الذين يبحثون عن حقهم في الوظيفة، أو مجموعات توعية تستهدف نشر ثقافة عقائدة أو صحية أو اجتماعية، او تحاول نشر سلوك مهم ما ك"القراءة" مثلا، ومهما كان الهدف نبيلا لا بد ان تكون وسائله نبيلة ايضا، اذ لا يعقل مثلا وبهدف الترفيه عن الأطفال أن أُلقي بين ايديهم ألعاب ألكترونية دموية ولذلك فقد حُظرت بعض الالعاب الإلكترونية السيئة الاثر في بعض الدول التي تهتم بالنشئ.

وتبقى مسؤولية القبول والترشيد والرفض لكل ما يظهر في المجتمع، مسؤولية كل فرد يؤمن انه لا يعيش بمفرده وان هناك مسؤوليات عقائدية واجتماعية واخلاقية وانطلاقا من هذه المسؤولية ومن هذا الحق اضع بين أيديكم هذا الموضوع. 

من الجميل ان تنتشر مجموعات القراء بهدف نشر ثقافة القراءة ولا بأس ان تحمل هذه المجموعات مبدأ "اقرأ عن كل شئ" ومن الجميل ان تُفتتَح مجموعات نقاشية لمناقشة مختلف الموضوعات والكتب التي تُقرأ لكن عفوا، من قال ان الرذيلة موضوع ثقافي من حق فرد او اثنين ان يجبروا الآخرين على تحمل ما يُتقيَح عنه تحت اعتبار ان ذلك نقاشا ثقافيا؟!!

من قال أن في نشر ثقافة الانحراف عن العقيدة تحت حجة مناقشة الله وعصمة الائمة واعطاء الملحد حقه في التعبير نشر لثقافة حرية الآخر؟ ماذا عن حرية المؤمن بهم والذي يشعر بهتك حرمة عقيدته كلما استُهزأ بما يؤمن به على اعتبار ان تلك دعوة "للتفكير خارج الصندوق" ماذا عن صناديقكم التي ابتدعتموها؟!

يناقشون حق الشاذ جنسيا في الزواج والارتباط بمثله.. وحقه في الاعلان عن هويته الجنسية!!! - "وش دخلنا في هويته الجنسية اصلا!!" - 

يدافعون عن حق أمثال سليمان رشدي في الاساءة للقرآن الكريم 

يدافعون عن حق الملحد في نشر اشكالياته - ان صدق عليها هذا التعبير- والتصفيق لحريته الزائفة وعلى الجهة الاخرى سيرفضون ردك على تلك الاشكاليات بحجة انك تقمع تفكيره!! 


وسيُوصم كل رافض للممارسة الشاذة بأنه.. مجرد متخلف وغير مطلع على آخر الاكتشافات العلمية حول صحة الانسان الجسدية والنفسية

وسيُستهزأ بكل مؤمن بالله لانه لا يقرأ الا داخل صندوق عقيدته.. ولا ادري كيف قيموا سنوات عمره الطويلة من خلال "قروب وتسب عمره كم شهر"


عموما.. 


كل ما يتقيح قبحا
كل ما يدعي الحرية اللامسؤولية والمطلقة
كل ما يساهم في نشر ثقافة اللاحدود والفوضى على حساب الاحترام لما نؤمن به في هذا المجتمع

يستحق ان يُمارس ضده الرفض علنا
والخروج جهرا
اما نقاشات الغرف المغلقة.. فهي ما يمارسها هو لا نحن

مع كل أسف احتوشونا بادعاءات الحريات والحقوق حتى صار البعض لا يجرأ على الرفض خوفا من قذفه بالاستبداد

لكنا.. سنمارس حقنا في الرفض
لذلك.. 

سأقوم بعمل انفولو
خروج من المجموعات التي تعود لهم
وسأشعرهم برفضي لاحتساب ما اقرأه ضمن تحديهم
وسأتوقف عن حضور فعالياتهم

انا مؤمنة بالردع الاجتماعي في حدوده العامة.. وامارسه ايمانا وحقا ومسؤولية وهي دعوة للجميع ان لا يخشى ممارسة حقه في الرفض.






الأربعاء، 24 يوليو 2019

الطلاق وورش العمل المنقذة..!


منذ مدة غير قليلة ونحن نسمع الأصوات ترتفع مستهجنة ارتفاع نسب الطلاق في مجتمعنا ومطالبة باتخاذ اجراءات وتدابير وربما قوانين للحد من الطلاق "الذي لا زلت اتحفظ في اطلاق صفة الظاهرة عليه"
.
بين مجموع تلك المطالبات اقتراحات منطقية واخرى اقل ما يقال عنها انها خرافية بل هناك اقتراحات هدامة، كتحريض المرأة على الدخول لبيت الزوجية وتحن عبائتها سلاح الطلاق تطلقه على اساس بيتها متى ما شعرت بالغبن!! ولست في وارد التصفيق او النقد لمثل هذه الاقتراحات لكني في وارد "اطلاق" مقترح من محدوديته الغريبة التي ابتلينا بها مؤخرا
.
يبدو لي اننا سمعنا اقتراح "اعداد الرجل والمرأة ليكونا زوجين مسؤولين اعدادا متكاملا" على ان ذلك سيحد من وقوع الطلاق او لعل البعض يظن ان في ذلك انقراض لاجراء الطلاق! وفي تصوري هناك جانبان يتم اغفالهما لمن حمل هم هذا الواقع واراد تقليصه:

- الأول: هل حقا نحتاج ان نعد الابن والابنة أسريا واجتماعيا ليكونا مجرد زوجين؟! حسنا ما معنى ان يكون المرء زوجا؟ ان يكون محبا؟ ان يكون حسن الظن؟ ان يكون مسؤولا؟ ان يكون رؤوفا؟ حازما؟ وصولا؟ متحدثا؟ مشاركا؟

هل هذه صفات زوج؟ ام هي صفات انسان؟

في الواقع من الخطأ أن نحد اجراء اعداد الابن والابنة ليكونا زوجين حتى تنجح مؤسسة الزواج ذلك اننا مطالبون ان نعد انسانا حقيقيا فاعلا مسؤولا منجزا داخل مؤسسة الزواج وخارجها وحين نعد هذا الانسان فنحن نكون قد وهبنا أنفسنا ومجتمعنا؛
ابنا بارا
عضوا اجتماعيا فاعلا
زوجا مسؤولا
ابا راعيا
الخ
.
لا يمكن ان نفصل الانسان في جملة الادوار التي يمارسها في حق نفسه/في حق اسرته/في حق مجتمعه/في حق عقيدته ومبادئه

فحين نعد فردا صحيح العقل والعقيدة والروح نكون بكل تأكيد اعددنا زوجا وأبا اضافة لكل الادوار التي لا بد ان يلعبها الفرد باختلاف عمره وموقعه في مجتمعه.

الاغرب من محدودية هذا الاجراء، الاصرار على زيادة ورش العمل وورش التنمية الذاتية: كيف تكون زوجا ناجحا؟ كيف تتفاهمين مع خطيبك؟ كيف تحب زوجك؟ الاساليب العشر لحفظ الود.. على ان هذه الورش ومدتها الساعتين والاسبوع والمختومة بتكريم وشهادى ستفرخ في المجتمع مجموعة ازواج مبدعين ومحبين.. وكأن العشرين والثلاثين سنة التي قضاها وقضتها الشابة في معترك الحياة لم يعد ينقصها سوى ورشة تنمية بشرية بساعتين وشهادة!!

- الثاني: من قال ان وقوع الطلاق بالضرورة يعني ان هناك خللا في ذات احد الزوجين؟ هل كل الازواج الذين انتهت علاقتهم الزوجية بالطلاق كانوا غير مسؤولين؟ كلهم كانوا مهملين؟ كلهم كانوا غير محبين؟ كلهم كانوا بخلاء؟ كلهم كانوا سليطي لسان ويد؟ كلهم خونة؟ وهل حقا من السلامة ان نقضي على الطلاق كاجراء؟؟ 

في الواقع هناك حاجة حقيقية للطلاق، وفي اباحة الله له حكمة، الكثير من الازواج مسؤولين وواعين لكنهم وجدوا انفسهم مضطرين للذهاب في طريق الانفصال والطلاق ذلك ان الانسان ليس تركيبا ماديا بحتا ولا معادلة رياضية ثابته، بل هو عبارة عن مركب متكامل من حاجات ومشاعر ومبادئ واساليب حياة وقناعات، كل تلك المحتويات تتفاعل فيما بينها داخل النفس البشرية وعبر العلاقات القائمة زوجية كانت او غيرها وهناك ما يتجه للتفاهم والانسجام وان كان ظاهرا يحمل صفة التنافر وهناك ما يتجه نحو التصدع والانقسام وان كان ظاهرا يحمل صفة التجاذب.

لكي نحد من نسبة الطلاق نحتاج اولا ان نحترمه كخيار لا بد منه أحيانا، كاحترامنا للكي كعلاج اخير ولا بد ان نحترم مخرجاته وواقعه ونحاول الحد من تبعاته السلبية بالحد من دس انف المجتمع في تفاصيله.
ثم نحتاج للنزول على ارض الواقع حين نعد ابنائنا وبناتنا للحياة، فنتركهم في معتركها يخطأون ويوجهون وينصحون ويصححون ليكبروا وقد ذاقوا صفة الحياة الحقيقية ليس من خلال ورش عمل بل من خلال مدرسة الحياة ثم لا بأس ان نمتعهم بورشة عمل يضيفون لها اكثر مما يأخذون منها، فان كانوا ازواجا كانوا ازواجا مسؤولين يطبقون قاعدة الله تعالى "امساك بمعروف او تسريح باحسان" للرجل والمرأة على حد سواء، بشرا مسؤولين سواء نجحت العلاقة الزوجية او اضطروا لفك عراها بكل رقي واحترام ومسؤولية.

الخميس، 6 يونيو 2019

جر الأسى



.
.
(جر الأسى)

قد يكون أبرز وجه من وجوه الحياة هو وجه "الابتلاء"
فقد عزيز
خسارة مال
مرض
الخ الخ الخ

وقد يكون اقسى انواع الابتلاء.. فقد عزيز وكيف به لو كان فقدٌ بشكل مفاجئ لشابـــ/.ـة أو طفل في مقتبل أيام عمره.
فُجعت كل البحرين في صبيحة العيد بخبر موت ٣ سيدات لم تتجاوز أكبرهن نهاية الاربعين.. فقدن بشكل مباغت جدا بينما كن منهمكات في عملهن ليكفين أنفسهن شر الحاجة لغير الله، ومن الطبيعي أن يتأثر كل من له قلب بفاجعة عائلة هؤلاء السيدات من الطبيعي أن يفكر بشعور الأم الفاقدة والابن المفجوع على والدته.
لذلك فقد كان أرقى شكل من أشكال التضامن والتأثر والمواساة ان حشودا كبيرة استبدلت ملابس العيد وغادرت الاجتماعات العائلية وفرغت جداولها لتحضر مسيرة تشييع هؤلاء السيدات بقلوب منفطرة وعيون دامعة
.
لكن مما أثار امتعاض البعض- ومنطقي جدا ان يثيره - حالة اجترار الأسى التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي تذر الملح على الجرح وتصور الأسى بلوعة تفوق الاحتمال منذ صباح الأمس حتى اليوم، من الطبيعي ان يكتب فاقد وجعه ويسطر ألمه ربما في محاولة تنفيس عله يرتاح هنيئة لكن.. ان يفتح فاقد مواقع التواصل ليقرأ قصائد أسى تصور احاديث المفجوعين ولحظات الفقد فليس في ذلك عزاء - وان قصد الكاتب بكل حسن نية ان يعزي الفاقدين ويواسيهم - على عكس حضور الجنازة والربت على كتف الفاقدين وتذكيرهم بجمال الصبر والدعاء لهم واحتضان دموعهم فيشعر الفاقد ان هناك من يستشعر ألمه ويصبره ويتواجد بجانبه
.
يروى أن رسول الله صلى الله عليه و آله كتب إلى معاذ يعزيه بابنه:
"من محمد رسول الله صلى الله عليه و آله إلى معاذ بن جبل، سلام عليك؛ فإني أحمد الله الذي لا اله إلا هو، أما بعد: فقد بلغني جزعك على ولدك الذي قضى الله عليه، وإنما كان ابنك من مواهب الله الهنيئة، وعواريه المستودعة عندك، فمتعك الله به إلى أجل، وقبضه لوقت معلوم فإنا لله وإنا إليه راجعون. لا يحبطن جزعك أجرك ولو قدِمت على ثواب مصيبتك، لعلمت أن المصيبة قد قصرت لعظيم ما أعد الله عليها من الثواب لأهل التسليم والصبرَ. واعلم أن الجزعِ لا يرد ميتاً، ولا يدفع قدراً، فأحسن العزاء وتَنَجزِ الموعود، فلا يَذْهَبَن أسفك على ما هو لازم لك ولجميع الخلق نازلٌ بقدره، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته"

كتب رسول الله موصيا بالصبر ويكتب بعضنا متألم حتما لمصاب الآخر لكن بما يقوده للجزع.. فهلا تحننا على أنفسنا وعليه.
.
وما أُبرأ نفسي

إيمان الحبيشي


الأحد، 15 أبريل 2018

أمي ومدرستي




من المعروف أن العملية التعليمية بل والتربوية بين المدرسة والبيت؛ هي عملية تكاملية تدور في فلك النهوض بإمكانات الطالب الذهنية والشخصية والسلوكية من الدرجة الأولى، ومن المعروف أن ثمة تواصل بينهما لا يمكن أن ينقطع وأن انقطاعه قد يقوّض من الجهود المبذولة لتحقيق ذلك النهوض، إذ لطالما حثت المدرسة أولياء الأمور على التواصل معها وفتحت قنوات ذلك التواصل، ولطالما طالب أولياء الأمور بتوفير قنوات يسيرة من أجل التواصل مع المدرسة، وبالتالي فإن أهمية هذا التواصل مما لا يختلف عليه اثنان.
 
لكن.. من الملاحظ أنه وكما هناك أولياء أمور مقصرين جدّا في التواصل مع المدرسة رغم وجود حاجة لذلك، فان هناك مبالغين في هذا التواصل.


لفت نظري أن هناك قلة من أولياء الأمور وبخاصة الأمهات يكدن لا يفارقن مدارس أبنائهن، فهي تتواجد فيها بشكل شبه يومي يشبه الدوام وهي متوفرة دائما، تساهم في الفعاليات وعمليات التواصل والبرامج وتعقد علاقات مع المعلمات والهيئات الإدارية والتعليمية في مدرسة أبنائها، وهو أمر وإن كان جيدا لكن المبالغة فيه -كما أخشى- تعني محاصرة الأبناء في كل مكان حتى في أفضل المواقع أمنا وهي المدرسة التي من الممكن أن نكون في غاية الشعور بهدوء النفس والثقة وهم فيها، يتفاعلون مع أقرانهم ويتعاملون مع معلميهم، ينشطون في الفعاليات واللعب والرفقة، ويكوّنون ذواتهم بعيدا عن رقابتنا ومثاليتنا وتوجيهاتنا التي لا تنتهي، يواجهون مشكلاتهم وينمون شخصياتهم ويتعلمون معنى أن يكونوا في الحياة بعيدا عن جو الأسرة؛ أي عالمهم الوحيد حتى وقت دخولهم المعترك الدراسي!


قد يشعر طفل بالفخر والسعادة لوجود والدته شبه الدائم معه في المدرسة، وهو بالمناسبة وجود شاءت أم أبت يحميه بطريقة مباشرة وغير مباشرة، ويمنع تفاعلاته الطبيعية مع معلميه وأقرانه ثم يدربه على أن الأم "كيان وُجد ليرافقه في كل مكان ويحميه ويساعده في كل وقت"! وهذا ما لا يقع في مصلحة الابن ولا في مصلحة أولياء الامور.


يحتاج الأبناء إلى مساحة خاصة يمارسون فيها تفاعلاتهم الطبيعية، يواجهون مشاكلهم بعيدا عنا، قد يزجرهم معلم أو يقاطعهم زميل، سيكونون حينها هم أمام مشكلة -بالنسبة لهم- عظمى، حينها سيمارسون ذواتهم في حل هذه المشكلة وقد يلجأ الأبناء لآبائهم حين يعجزون عن حلها، حينها سيكون للآباء دورهم في "توجيه" الابن أولا ثم في محاولة التدخل فيما لو تفاقمت المشكلة أو تفاقم قلقه بسببها لكن عليهم أولا أن يختبروا أنفسهم عند وقوع المشكلة، وقد يُفاجَأ الآباء من حسن تصرف الأبناء أحيانا.

ثم
يا سيدتي..
 
دعي هذه المساحة واستثمريها أنت أيضا في تمضية شؤونك بل حتى في ترفيهك عن نفسك، من قال أن دور الأم أن تكون "كيانا وقفا للأبناء" من قال أن شغلك الشاغل في اليوم أن تجري خلف ابنائك حتى داخل أسوار المدرسة، الأمومة تعني أن نسبغ عليهم ما نستطيعه من حب وحنان وتوجيه وتعليم، لكن مع الحفاظ على أن نكون نحن وهم كيانان قائمان بذاتهما لا للتداخل بينهما، ونعم للتقاطع في وقتهما وأهدافهما وضرورات حياتيهما، ونعم للاستقلالية وحفظ المساحات الخاصة. 


لا يملك الآباء أبناءهم
كما لا يملك الأبناء آباءهم
وهذا بالتحديد ما يجب أن نعيه،
هي علاقة تحكمها المسؤولية والحقوق والواجبات والحب والحزم والتوجيه، لكن دورنا الأساس هو في أن نهيئ الأبناء لخوض معترك الحياة بإيمان وثقة ومنظومة قيم نسعى لزرعها فيهم كما هُيئنا لخوض معترك الحياة قبلهم.


تواصلي مع المدرسة
كوني قريبة
لكن.. لا تنسي نفسكِ كثيرا

الثلاثاء، 16 يناير 2018

خُططٌ لا تنجح



كم مرة وضعتَ نصب عينيك خطة عمل أو حياة أو رزق أو نشاط لكنها لم تُفلح؟ إما لقلة خبرتك أو لعدم توافر الظروف المناسبة أو هكذا.. لأن الله لم يشأ لها أن تفلح؟*


هل تمتلك في العادة خطة بديلة؟ هل تعيد كرَّتك مع تعديل بعض الأخطاء ومحاولة توفير بعض الظروف؟ ماذا لو لم تفلح الخطة مجددًا؟!


ربما يعتبر كثيرون أن "عدم نجاح"  خطة وضعوها نصب أعينهم "فشلًا ذريعًا".  من الطبيعي أن يترك الفشل ثقله على قلوبهم، فربما يصاب بعضهم بالإحباط، والآخر بالإنهاك، وبعضهم يتنازل حينها عن أن يكون لهم خطة أصلاً؛ فيسيرون في حياتهم كما يقول المثل "على البركة".


هل تمتلك مرونة أنْ تُغيِّر خططك؟

أن تُفرمل في عمل تمارسه وتغير اتجاهك في سعي تسعى إليه؟


على مدى سنوات عمرنا القصيرة في هذه الحياة الدنيا الطويلة بالنسبة للإنسان، نمر بمراحل عمرية مختلفة.. نكبر ويتسع الكون من حولنا، فبعد أن كان كوننا كله رحم أمهاتنا يصبح أسرتنا الصغيرة، ثم نضيف مدرستنا فجامعاتنا فقريتنا فوطننا فالعالم.


وعالم اليوم يتسع أكثر من عالم الأمس؛ ليس لأن حجمه تضخم، لكن لأنَّ سُبُل إدراكنا له كبرت كثيرًا، فقبل ثلاثين سنة تقريبًا كان من الصعب أن يدرك عامَّة الناس في البحرين كيف يعيش الإنسان في أستراليا، ولا بد من أن يجتهد كثيرًا ليدرك طبيعة الحياة هناك وأسلوبها - هذا في حال تساءل عن الإنسان الأسترالي – في حين أنَّ ضغطة زر واحدة، بل ربما قبل ضغطة الزر هذه قد يصل إلى إنسان في أصغر قرية بحرينية تقريرٌ مصورٌ ومترجمٌ عن حياة الإنسان الأسترالي!


إلى أيِّ حد إذا اتسع كوننا مقابل كون آبائنا؟!


نعود إلى خطط حياتنا ونشاطنا وعدم نجاحنا أحيانًا. الطبيعي أننا نمتلك خطة حياة لكنها غير مكتوبة، هكذا نكتسبها تلقائيا في أثناء تنشئتنا الاجتماعية، فمن الطبيعي أن الطفل يدخل مرحلته الابتدائية لينتقل إلى الإعدادية فالثانوية فالجامعة فالعمل فالحياة الزوجية، هذه هي خطتنا البسيطة التلقائية إلا أنها على الرغم من بساطتها يشوبها الكثير من التعثر، وربما حينها ندرك أهمية أن يكون لدينا خطة رئيسية وخطة بديلة، أو على أقل تقدير سندرك حينها أهمية أن نمتلك مرونة تغيير الخطط.



الكثير من الإخفاقات قد تكون سبيلَك لتفرمل حياتك عند نقطة ما، مقررًا تغيير اتجاهك تمامًا، قد لا يتسامح معك المجتمع أو الأسرة، قد لا تتلقى الدعم حينها؛ لكن بمجرد أن تحقق النجاح قد تكون نموذجًا لآخرين.


أحيانا ليس بالضرورة أن يكون إخفاقًا، قد يكون إدراكا جديدًا لا يراه الآخرون، يترك في عمقك عزيمة أخرى تقذف في وعيِك خطة حياة جديدة، قد يلومك معها الناس؛ لأنك توقفت عن السعي في خطة حياة يبدو أنها ناجحة ومضمونة متوجها إلى خطة حياة تبدو أكثر مجازفة وأقل ضمانة وأكثر تعبا! حينها لا تحتاج فقط إلى مرونة أن تستبدل خطة بأخرى، فأنت أيضًا تحتاج أن تمتلك شجاعة التغيير، وثقة التوكل على الله والايمان بذاتك.


أما في حالة أنكَ - ورغم ذلك الضوء الذي شع داخلك يحثك على خوض خطة أخرى غير ما كنت تظن أنك تريد، وغير ما رسمتْ لك تنشئتك الاجتماعية - بقيت على خطتك الأولى مطفئًا ذلك الضوء، فقد تسير في خطتك وقد يرى الكثيرون نجاحك.. باستثنائك أنت! ذلك أنك تدرك أن النجاح الذي تريده كان نجاحًا مختلفًا احتجت أن تسعى إليه فلم تفعل، قد يعني ذلك أن تتعايش لكن مع انطفاء ضوء جميل داخلك ومع شعور بالذنب لأنك أطفأته دون جهد لإبقائه مشتعلاً بداخلك يمدك بالسعادة .. سعادة إنجاز ما تريد حقا.


أما في حالة الإخفاق فالحاجة إلى فرملة أكبر وضرورة تغيير الخطة أكثر إلحاحًا، فتوقفك عند فشل خطة ما يعني نهاية حياتك التي لا تزال تستمر بنجاحك أو بفشلك، لكن الفارق أنك مع النجاح تشعر بقيادتك للحياة، ومع الفشل تشعر أنك مقود تعيس، تصارع الكثير من المشاعر السلبية مفوِّتا على نفسك لذة خوض تجربة جديدة واقتحام تحد آخر يثبت لك قبل أي أحد آخر أنك كإنسان أودع فيه الله أسرار الكون كلها أكبر من الحياة وأقوى من التحديات وغير قابل للكسر.



من المهم اليوم أن تمتلك خطة بديلة إضافة إلى خطتك الرئيسية، لكن الأهم أن تمتلك تلك المرونة لتبْنيَ دائمًا خُططًا جديدة تنقلك إلى نجاح أكبر.



___________
* أرجو قراءة مقال سابق بعنوان "ترتيبات إلهية" يتناول فكرة مهمة لا بد من أن تضاف إلى العبارة أعلاه.. المقال عبر الرابط

https://www.ertiqabh.com/?p=3283


إيمان الحبيشي
 ١٦ يناير ٢٠١٨

الاثنين، 16 أكتوبر 2017

حين كنا ننتمي للحسين "ع"

ها قد عادت أيام عاشوراء، وها قد عادت مواضيع الجدل ذاتها، ولا أعرف هل أكون مجحفةً حين أقول أن الأمور -غالبًا- لا تتعدى دائرة الجدل!
في العام الماضي أُثير كثيرا موضوع تواجد النساء في محيط مواكب العزاء الرجالية بغرض المشاهدة، لتعاد مشاحنات الموضوع مجددا هذا العام وقبل أن تبدأ مراسم أيام عاشوراء المهيبة، لكني أجد أن العنوان أعمّ من “تواجد النساء في مواكب العزاء الرجالية” إنه عنوان إقامة شعائر نؤمن أنها من تقوى القلوب، إنها الحفاظ على قدسية وروحية وقيمية تلك الشعائر انعكاسا لمبدئية وقدسية صاحبها.
كان الشعار “حسينيون” يختصر المسافة بين معنى إحياء ذكر الحسين عليه السلام وكيفية وروح إحيائه، وإن احتوى ذلك الإحياء على بعض المظاهر التي كان لا بد من تهذيبها وتشذيبها بل وإيقاف بعضها وابتكار بعضها، لكن كان معنى أن نكون “حسينيون” هو أن نتمثّل قيم وسجايا وأخلاق الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه سلام الله عليهم جميعا والتي تفتّقت في كربلاء، كان معناها أننا من يريد الانتماء لخطه وفكره ونهجه، وكانت أيام عاشوراء هي أيام استنهاضٍ وتأكيدٍ على قيم مارسها الإمام الحسين ومن معه مقابل قيم رفضها برفضه ليزيد ومعسكره، كان الهدف الأساسي من إحياء واقعة الطف وشخوصها بحزنها وألمها هو أن نعرف ماذا تحتوي تلك الواقعة من دروس أخلاقية وسلوكية تمس صلب عقيدة وأخلاقية الإنسان الموالي لفكر محمّدٍ وآل محمد عليهم السلام، ولذلك فلطالما حتم الواجب أن يتم نقد الكثير من الممارسات والسلوكيات التي تحصل أثناء جو الإحياء وأحيانا باسم الشعائر والتقديس والإبكاء من أجل المحافظة على الهدف المرجو من إقامتها عبر عملية تقويم تنتج عن عملية تقييم واعية.
أتذكر جيدا حين كنت طفلة، أن كل ظلٍّ على حائط مأتم كان مهيئا ليعتبره البعض “معجزة عاشورائية”، وأن الكثير مما صار اليوم مسلّمًا به علميا، كان في سابق الأيام شيئًا مرتبطًا بالإعجاز المحمدي، لم يكن ذلك إلا نتاج بساطة الناس وقلة العلم مما كان يؤثر سلبا على هدف إحياء عاشوراء محولا إياها لأيام تجاذبات رؤى وتخيلات تبعد الناس عن الإحياء الواقعي لتلك الفاجعة.
ليختلف الأمر كثيرا هذه الأيام، حتى بات الخطيب الذي لا يحكي العقائد والواقعة إلا عبر رؤيا شاهدها في المنام مرفوض عند من يحرص على النهل من علم وقيم مجالس الإمام الحسين “ع”، ولا زلنا نحتاج لشيءٍ من التهذيب والتشذيب إما لأساليب الإحياء العاشورائي أو للمادة المقدمة فيه وكذلك لا زلنا بحاجة لتعديل وتقويم الكثير من التجاوزات التي تصاحب الكثير من برامج ومراكز الإحياء كحالة طبيعية تحتاج ليقظة دائمة، هذا فضلا عن مواجهة الكثير من الأباطيل التي تُلبّس بها شعائر الإمام الحسين عليه السلام مما نبتلى به كل مدة من بعض الشّواذ.
هل من المبالغة أن نقول أن قلة العلم والوعي في السابق كاد أن يخطف جمال عاشوراء منا وكاد أن يفوت علينا فرصة مركزية استثنائية تمكننا من عيش عشرة أيام أو يزيد بأسلوب نكون فيه مهيئون تماما للتفرغ من أجل هذا الإحياء فحسب؟
ربما يحوي ذلك شيئًا من المبالغة..
والدليل أن عاشوراء الحسين لا زالت تحيينا سنويا ولا زالت تتسع رقعتها كلّ عام ولا زالت راية تحمل اسم كربلاء بعنوان الانتصار على الظلم والجبروت خفاقة، ولعل سلسلة النقد التي يتعرض لها الكثير ممن أخفق في استثمار مجلس الحسين ليطعّم المجتمع بفكر عميق دافع للبناء والتطوير والخلود وإن كان كثيره أحيانا يتجه لهدم وجود المنبر باعتباره أداة ووسيلة رجعية لم تعد قادرة على التغيير، وهو من النقد الذي أثق أنه سيسقط أمام النقد الواعي الذي يؤمن بالحسين عليه السلام منبرًا وإحياءً وثقافةً تقوم على أمل إحياء قيمه.
إلا أن تحولا أراه يكبر مؤخرا وأظن أن مواجهته وتهذيبه أمر في غاية الأهمية، أمر لا يقل أهمية عن نزع الجهل والاكتفاء بالصياح والأحلام من برامج ومواد الإحياء، إنه تحول البعض من النداء بشعار “حسينيون” إلى النداء بشعار “الحسين للجميع”.
“الحسين للجميع”
أثق أنه شعارٌ راقٍ أساسه الإيمان بأن الإمام الحسين كمثل أبيه وأخيه ووالدته وجدّه وبنيه عليهم الصلاة والسلام، وجود إنساني استثنائي يستحق بجدارة أن يكون -بل هو هو- النموذج الحقيقي للوجود الإنساني الذي يريده الله للإنسان، إنهم الكمال الذي يسعى إليه أي إنسان يريد لنفسه أن تعلوا للكمالات الإنسانية عبر بوابة عقيدة سليمة أسست لمنظومة قيم وسلوكيات يطمح لها كل بشري سوي، وتطمح لها كل المجتمعات الحالمة بأن تكون مجتمعات منتجة على كل الأصعدة، سواء آمنت بتلك العقيدة أو اكتفت بمنظومة القيم، إلا أن رفعه عند كل نقد لمظاهر وسلوكيات وتجاوزات تمارس ضمن بعض الشعائر لا يختلف عن مطالبة الكثيرين بالاحتفاظ بالجهل والأحلام والبكاء الفارغ كأسس لإحياء عاشوراء الحسين “ع”.

بناءً على هذا الشعار، صار من الواجب أن يُقبل كل سلوك لائق أو غير لائق، شاذٍّ أو مقبولٍ أثناء التواجد ضمن دائرة إحياء عاشوراء على اعتبار أن الحسين رسالة للجميع وهو كذلك، وعلى اعتبار أن حرية الجميع مكفولة فالحسين لهم كما هو لنا، وكأن هناك حالة من محاولة لـ”وهب” الحسين عليه السلام ضمن هذا الشعار، فصار من حق الجميع أن يهبه للجميع وخرجنا من حالة أننا حسينيون ننتمي إليه، إلى حسين ينتمي للكل! وتم تحويل كربلاء لدى كثيرين من حالة قيمية وقضية مبدئية لفن وذوق وسحر، وهذا يعني أن نقبل الجميع بما هو عليه وإن كان يعني ذلك المساس بقدسية الرسالة الحسينية، فالأهم أن يبدَع الحسين رسما وشعرا ونثرا لترسم فسيفساء كربلاء بطريقة حضارية راقية، لتكون كربلاء مجرد أسطورة شعبية وأهزوجة يُدعى الجميع لإحيائها.
وتحولت تلك المرأة الغير محجبة والتي تعودت وتعودنا في سابق الزمان، أن تحضر إحياء عاشوراء متشحة بالسواد والحشمة وعيًا بالحسين وما يمثله من رسالة سماوية طاهرة، إلى مستضعفة تُسن الأقلام للدفاع عن حقها في “التبرج والسفور” بمحاذاة مواكب العزاء بل في منتصفها أحيانا فالحسين للمحجبة والسافرة على حد سواء!!
وصارت مجرد الدعوة للشباب عامة ذكورا وإناثا بالحفاظ على “هيبة” إحياء واقعة الطف، تدخلات سافرة من رجعيين يظنون أن الحسين “ع” ملكًا لهم، فما الضير أن يحضر أحدهم مجلسا حسينيا وأسفل ظهره يبرز من الخلف بينما يغطي عينيه التي تشخ بالدموع؟! وماذا يعني أن يسعى تلك الليلة وراء فتاة غمزت له أثناء مرور موكب شارك فيه بينما يواسي الزهراء “ع” لتزيد حماسته في اللطم؟!
منطق لا أعرف حقًّا إن كان من يتمنطّق به قد حكّمَ عقله فعلًا أم يحاول تبرير ما يريد أن يمارسه فحسب!
إن كان الحسين للجميع بمعنى أن يُبدِعه كلٌ كيفما يشاء، فمن يجد الحسين مجرد حلم ومن يجد إحياء ذكراه ضمن مواكب باسم “كلاب رقية” وغيرها مما أُبتليت به بعض المجتمعات مؤخرا، فهم يمارسون حصتهم من الحسين ولا يحق لمنتقد أن ينتقدهم أيضا!
وُفِّقت مدة لحضور مجالس حسينية في عاشوراء بأحد المجتمعات العربية، مجتمع لطالما قُورِنَّا به ولطالما طُولبنا أن نتشبّه به، ولعمري ما وجدت هناك إحياءً ولا عَبرة ولا عِبرة، فالحسين عليه السلام مجرد عادة تجمع سنوية يصاحبها الكثير من التجاوزات التي فُرضت على مجالس الإحياء تلك بسبب طبيعة المجتمع المنفتحة جدا، والذي علينا اليوم أن نعتبره مسطرة قياس ونتمثّل به!!
منحنا الله نعمة في مجتمعنا، هي نعمة الوعي بأهمية إحياء عاشوراء، وتنوع وسائل الإحياء تلك بين مجلس حسيني ومواكب لطم وفعاليات رسم وتشابيه ومضيفات وتمثيليات وأهازيج وأمسيات شعر، لا زلنا ندرك أن الحسين عليه اسلام قضية إيمانية إنسانية تحكي وحشية الظلم وجمال الإيمان والإخلاص والإيثار، لذلك لا زالت الدمعة الحزينة الواعية الإنسانية تصاحب فعالياتنا متّشحة بالخشوع والجلال والاحتشام ولا نحتاج لأكثر من محافظة على بعض الجنبات وتهذيب بعض الجنبات وتفكير عميق بأهداف إحيائنا قبل أن نرفع الصوت من حيث ندري أو لا ندري لنحوّل القضية الكربلائية لمهرجان احتفالي بهيج من حيث أثق أن لا أحد يريد.
عظّم الله أجوركم وأجورنا..
وأسأله التوفيق لنكون خير من يحيي ذكر محمد وآل محمد عليهم السلام كدروس نعيها ونتمثل بها ونحيا بين جمال قيمها.





نشر بتاريخ
16/10/2016

السبت، 14 أكتوبر 2017

المقاومة: العملية المشروعة

لو قمنا بعملية تركيز صغيرة، عبر استقطاع موضوع أو زاوية مكانية أو فكرة ووضعها تحت المجهر، مراقبين ما طرأ عليها من تحولات خلال عشرين سنة مضت حتى اليوم الحالي، فماذا تتوقعون أن تجدوا؟
بالتأكيد لن يكون ذلك الموضوع أو تلك الزاوية أو هذه الفكرة موضع البحث هي هي ذاتها خلال تلك السنوات المنصرمة، وسنجد أن تغييرا طرأ في شكلها أو جوهرها أو في تعاطي الناس معها حتى لو لم تكن يوما محطة اهتمام.
ذلك أن وعي الإنسان الفردي وكذلك وعي الجماعة والمجتمع لا يبقى كما هو، فهو قد يتطور لأسباب وقد يتراجع لأسباب أخرى، مؤثرا فيما يتعامل معه الناس، وفيما يعتنقونه من أفكار وفي ما يقررونه من مواقف.
انها عملية التغيير “القسرية” التي تحصل يوميا إما بشكل محسوس أو غير محسوس، يؤثر في درجة الإحساس بها أثر الموضوع في أصله على الناس أو أحيانا أثر ما طرأ عليه من تغيير.
رغم قسرية عملية التغيير، إلا أن من الطبيعي أن هناك عوامل مؤثرة أدت اليه، وأكثر العوامل تأثيرا هو “الناس” أي أفراد المجتمع، ومدى دفعهم بإتجاه التغيير أو رفضهم له مع الأخذ بالإعتبار أن هناك غالبا حالة مقاومة للأفكار والتغييرات الجديدة بحسب الكثير من علماء الاجتماع وبحسب ما نلمسه واقعا بأعيننا، وهي ليست بالضرورة حالة مقاومة “رجعية” أو “سلبية” أو “كارهه للتغيير” بل أجد في كثير من الأحيان أن عملية المقاومة تلك طبيعية جدا وتذهب بنا في اتجاهين لهما ثالث طبعا وربما أكثر:
الاتجاه الأول: تعديل التغيير الطارئ بشكل أكثر اتساقا مع روح المجتمع وأكثر فعالية
الاتجاه الثاني: تطور الوعي الفردي والاجتماعي نحو عملية التغيير تلك ومن ثم الانتقال اليها واعتناقها ايمانا بضرورتها وأهميتها
أما الإتجاه الثالث فقد يكون الإتجاه السلبي، الذي يرفض معه المجتمع التغير في جنبة معينة رغم الأذى المتحصل من عملية الثبات “الظاهرية” لتلك الجنبة وان كنت اثق ان التغيير مصيبا اياها لا محالة انما قد تحتاج وقتا أطول من غيرها، وربما تُخلِّف ضحايا يشعر المجتمع مع سقوطهم بضرورة الذهاب نحو التغيير مع كل أسف. 
ما أود الحديث عنه هنا هو “عملية المقاومة” التي تفرزها عملية التغيير كرد فعل عليها داخل المجتمع وفي عمق بعض الأفراد والجماعات، إذ نجد أحيانا أن أصابع إتهام جريئة وربما وقحة، تصمُ أفراد المجتمع أو جماعة فيه بوصمة التخلِّف والرجعية حين ترفض تغييرا ما أو تقاومه بغض النظر عن ماهية ذلك التغيير، وهل هو تغيير نحو الأفضل أم تراجع يظنه طالبوا التغيير ومؤيدوه تقدما. وذلك لا يعني طبعا أن نطرح أو نتجاهل الحقيقة التي تقول “أن المستفيد من بقاء الأمور كما هي سيظل متشبثا بثباتها محافظا على مكتسباته الشخصية والفئوية والحزبية” ولن ينتصر لعملية تغيير مفيدة إلا حين يقدم المصلحة العامة على مصلحته الخاصة وإلا جرفته عملية التغيير.
ان عملية تطور المجتمعات انما قامت عبر عملية التغير ومقاومة أثره ومن ثم القبول به أو تحسين نتيجته لشكل أكثر تناسبا لكن ليس بشكل عشوائي مطلق، وهنا يستحضرني مبدأ هيجل والذي يؤمن بأن: 
“التاريخ حركة منطقية (جدلية)، وهو في الغالب سلسلة من الثورات، يستخدم فيها “المُطْلَق” الشعوب إثر الشعوب والعباقرة إثر العباقرة أدوات في تحقيق النمو والتطور (نحو الحرية) إن هذه العملية المنطقية (الجدلية) في سير التاريخ تجعل من التغيير مبدأ الحياة الأساسي؛ إذ لا شيء خالد، وفي كل مرحلة من مراحل التاريخ يوجد تناقض وتعارض لا يقوى على حله سوى صراع الأضداد والتاريخ هو نمو نحو الحرية وتطورها”¹
كما يعبر عن ذلك “جوستاين غاردر”: “ما من شيء أفضل للتقدم من وجود معارضين أقوياء”²
إذا هل من الممكن إعتبار المجتمع المرن جدا “على فرض أنه موجود”، والذي يقبل بكل تغير وتغيير وتبدل، في شكله وأفكاره وهويته ومعتقداته وسلوكياته، مجتمعا صحيا؟
وهل من الممكن النظر لعملية المقاومة التي تحدثنا عنها، كعملية شيطانية لا بد من ايقافها والتسريع بموتها؟
وهل من الذكاء والتحضر أن تقفز المجتمعات للتغيير تقليدا لا اكتسابا واستشعارا بأهمية التغيير، بل وعبر المساهمة في صياغة عملية التغيير واضعا بالاعتبار الكثير من العوامل التي ستجعل عملية التغيير تلك ذات جدوى؟
إن الحارس الحقيقي الذي قد يتطرف أحيانا في حفظ المجتمع من عمليات تغيير هدّامة، وقد ينخر الفساد أحيانا أخرى المتصدين فيه، هو عملية المقاومة التي توجد بروح الإنسان والمجتمع لبعض عمليات التغيير خصوصا فيما يتعلق ببعض خصوصيات المجتمع والتي قد تكون جزء من الهوية التي تميزه، لقد حسَّنت المقاومة الكثير من عمليات التغيير الجارفة التي جاءت للمجتمع من الخارج لا من عمقه، وهي غالبا عمليات تغيير شكلية يتبدل فيها ظاهر المجتمع دون جوهره وهو ما يخلق حالة من التناقض والعشوائية التي تُسهم في وقوف المجتمع في نقطة محددة لا هو بقادر على أن يتراجع عن التغيير الذي لبسه ولا هو بقادر على التقدم به للأمام.
وهي في اعتقادي على عكس عمليات التغيير التي سعى لها المجتمع من واقع حاجة في التغيير، فاندفع باتجاهها وقد استشعر غالبية أفراد المجتمع الحاجة لها، وصاروا يحللون ويفككون ويركبون طريق التغيير الذي صاروا بحاجة ماسة اليه حتى وصلوا له بشكل أكثر استقرارا وفعالية وقوة، متجاوزين بعض المقاومين الذين قد يطلق عليهم لقب “متطرفين” حتى يلحق هؤلاء بركب مجتمعهم بعد حين.
وعلى الرغم من عمليات التغيير المستمرة، الناجحة أحيانا والمؤسفة أحيان أخرى، نجد أن المجتمعات في عمومها قد احتفظت بهوية وتاريخ يخصها، ذلك أن ضمان الوصول لمستقبل ناجح هو عبر مراجعة ومتابعة تاريخ ذلك المجتمع لا المجتمعات البعيدة رغم الحاجة لدراسة تجارب الشعوب طبعا، ومن ثم الخروج بعمليات تغيير من صلبه ورحمه لا عبر زرع “نطفة” غريبة في رحمه تؤدي لانجاب جنين غير شرعي لا يقبله المجتمع وان قبله ظل متعثرا به!
1/ ول ديورانت: قصة الفلسفة، ص380، 381.
2/ جوستاين غاردر: عالم صوفي، ص385.



نشر بتاريخ 
4/6/2016

قف.. فكر.. قرر بوعي

  نسمع كثيرا عن مفردة (الوعي) ونُدعى كثيرا لأن نكون (واعين) بل وحتى في أحاديثنا المعتادة نطالب أن يكون الآخر مالكا-لوعايته الكاملة (تعبير دا...